61
الجزء ٤ · صفحة ١٢٠﴿ وَمَا تَكُونُ ﴾ يا محمد وتلتحق به أُمته ﴿ فِى شَأْنٍ ﴾ فى أَمر ، من شأَنته أَى قصدته مصدر بمعنى مفعول أَى مقصود وتغلبت عليه الاسمية ، ويجوز إِبقاؤه على أَصله من المعنى المصدرى ، أَى فى قصد ، أَو على ما تفرع عليه من معنى مقصود ومعنى تغلب الاسمية إِنه بمعنى أَمر مطلق عن ملاحظة قصد أَو مقصود ﴿ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ ﴾ من الشأْن أَو من الله أَو من القرآن ، وعليه فالإِضمار له قبل ذكره تفخيم لمرتبة شهرته ، وإِذا رد الضمير للشأْن فوجهه أَن تلاوة القرآن معظم شأْنه A ، وأَن القراءَة تكون لشأْن ومن للتعليل فى هذا الوجه ، وإِذا رد إِلى القرآن فتبعيضية أَو إِلأى الله فابتدائية . ﴿ مِنْ قُرْآنٍ ﴾ منزل عليك ومن صلة فى مفعول تتلو وبعض القرآن قرآن ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ يا محمد وأُمته والمضارع للاستمرار الماضى ، حكاية له كأَنه حاضر ﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ رقباءَ مطلعين ، خص الخطاب به A أَولا لأَن التلاوة هو الأَصل فيها ، ولأَنها منه أَولا ، وإِنما يقرأُ غيره تبليغا وتبعا له ، ولأَن رئِيس القوم إِذا خوطب دخل قومه كقوله تعالى : ﴿ يا أَيها النبى إِذا طلقتم ﴾ كما أَن الأَمير يخاطب رئيس الكفار ويجرى حكم قومه على جوابه وكأَنه أَجاب عن قومه ، وكذا خطاب الأَمير لهم يجرى قوم عليه ، ولو جعلنا الخطاب فى تكون وتتلو للعموم البدلى لهم كما عم تعملون وعليكم إِلا أَنه يلزم أَن يكون قوله ولا تعملون إِلخ كالتكرير له ، والمراد ما يكون ذلك كله فى حال من الأَحوال إِلا حال شهادتنا ، وقدم عليكم لطريق الانتقام بما يكون انتقاما منهم مراعاة لجانب الكفار ، ولو كان الكلام على العموم ، ويجوز أَن يكون الخطاب فى تعملون وعليكم للكفار فالمراد ظاهر ﴿ إِذْ ﴾ متعلق بشهود أَو بكنا ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ فيما ذكر من الكون فى شأْن والتلاوة والعمل والإِفاضة الدخول فى العمل ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ ما يغيب ، وعزب غاب وخفى ولو كان قريبا ، ويفسر بالبعد لأَنه ملزم للخفاءِ والغيبة وسبب له ﴿ عَن رَّبِّكَ ﴾ عن علمه على حذف مضاف أَو عن ربك كناية عن علمه تعالى ﴿ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ ﴾ من صلة فى الفاعل ومثقال وزن وهو فاعل وإِنما يعبر عن الوزن بالمثاقل لاعتبار الثقل ، فالمراد ما يوازن النملة الصغيرة جدا ويساويها فى الثقل الذى هو ضعيف لا يعلمه إِلا الله ، أَو من اجتهد أَو الذرة الهباءَة والله مختص بعلم ثقلها ولا سيما إِن قلنا هى جزءٌ من أَلف جزءٍ من النملة أَو الخردلة ومثقال الشىءِ ميزانه ، وذلك مثل فى القلة لا حصر ، ولذلك قال ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ ﴾ كما ذكر الأَرض والسماءَ مثلا لأَن العامة لا تعرف سواهما إِلا بتعليم ، والمراد الأَرض والسماءُ والعرش والكرسى وكل موجود مخلوق لا خصوص الأَرض والسماءِ والله جل وعلا لا يوصف بكل ولا بجزءٍ ، والمثقال فى الجاهلية والإِسلام لا يختلف هو أَربعة وعشرون قيراطا والدرهم ستة دوانق وعشرة دوانق سبعة مثاقيل ، وقدم الأَرض لأَنها أَقرب إِلى المخاطبين وهم بها أَعرف منهم بالسماءِ ولأَن الكلام فى حال أَهلها والبرهان عليهم ، وفى الأَرض حال من ذرة لتقدم النفى والنعت أَولى ، ولا يجوز تعليقه بيعزب لأَنه يؤدى إِلى أَن الله تعالى فى السماءِ والأَرض حلولا ، وقوله ولا أَصغر من ذلك إِلخ كلام مستأْنف مقرر وما قبله ، ولا عاملة عمل إِن وما اسمها معرب لشبهه بالمضاف ، أَو عاملة عمل ليس لا عاطفة على ذرة لأَنه يبقى قوله ﴿ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ متعطل إِلا أَن يجعل استثناءً منقطعا أَى لكن كل شىءٍ فى كتاب مبين ، إِلا أَن الحمل على الاستثناءِ المنقطع خلاف الأَصل لا يحمل عليه الكلام إِلا لداع صحيح راجح أَو متعين ، فالوقف على السماءِ ، ولو جعل لا عاطفة على مثقال وجعل الاستثناءُ متصلا لكان المعنى لا يغيب عن ربك شىءٌ فى حال من الأَحوال إِلا حال كونه فى كتاب مبين .