تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

54

الجزء ٤ · صفحة ١١٤

﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ وكيف يكون لها ذلك وليس هناك درهم ولا دينار ، فقد فنيت الدنيا ، ولم يبق لإِنسان غير عمله عليه يبعث وبه يجازى إِن خيراً فخير وإِن شراً فشر . حتى لو وجد الإِنسان ما يمكن أَن يفتدى به فإِنه لن يقبل منه ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون . إِلا من أَتى الله بقلب سليم ﴾ ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ ﴾ عن فعل الشرك والمعاصى ﴿ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ والضميران لكل نفس لا للرؤساءِ خاصة ، بأَن أَخفوها عن الضعفاءِ مخافة التعْيير كما قيل ، بل وجه الإِخفاء للفشل عن الإِظهار لأَجل إياسهم ولأَجل أَنه فاجأَهم من الأَمر الفظيع ما لم يحتسبوه كأَنهم بكم كمن ذهب به ليقتل ، والندامة قلبية لا ظهور لها فذكر أَسروا تأْكيدا أَو باعتبار أَن الندامة قد يعبر عنها اللفظ كالنطق بها والبكاءِ ، أَو أَسروا الندامة أَخلصوها لله حين لا تنفع ، ويقال أَسر الشىءَ بمعنى أَخلصه كما يحافظ على الشىءِ بستره ، والإِخفاءُ من لوازم صفاءِ الشىءِ ، أَو أَسر بمعنى أَظهر من الأَضداد كغبر بمعنى مضى ، وغبر بمعنى بقى ، أَو الهمزة للسلب أَى أَزالوا سرها ، أَى خفاءَها كأَقردت البعير أَزلت قراده ، ففى موطن فشلوا وفى موطن أُذن لهم بالنطق وأُقدروا عليه ﴿ وَقُضِىَ ﴾ العطف على أَسروا أَو على رأَوا أَو على ما عطف عليه أَسروا ﴿ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ بين الخلائِق كلهم أَو كل نفس ظالمة كل نفس ، أَو بين المظلومين والظالمين أَو بين المؤمنين والكافرين أَو بين الرؤَساءِ والضغفاءِ ، والأَول أَولى لعمومه قبل ، ودخل فى ذلك العدل العظيم أَنه يعدل من الكافر الظالم للكافر الآخر المظلوم فيسقط بعض العذاب عن الكافر المظلوم ويزاد على ظلمه الكافر وأَما عود الضمير إِلى النفوس الظوالم ، فلو ناسب بالذكر والقرب لكن لا يتبادر إِرادته ولو كان صحيحاً أَن يقضى بينهن بأَن يخفف عن هذه على تلك من جهه مظلمة ، وعن تلك على هذه من جهة ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ الأَول بين الأَنبياءِ ومكذبيهم ، والثانى بين غيرهم من مر آنفاً ، فلا تكرار كما لا يخطر بالبال أَنه تكرير وقرر قدرته على العذاب والثواب والقضاءِ بينهم بقوله ﴿ أَلاَ إِنَّ لِلهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ انتبهوا فإِن جميع ما سوى الله ممكن لذاته ، والممكن مستند للواجب لذاته إِما ابتداءً أَو بواسطة فثبت أَن جميع ما سواه مملوك له تعالى ، وما ينسب من الإِهلاك لغير الله ليس على التحقيق والكل لله وليس للنفس الظالمة شىءٌ ، والمراد بما فى السموات والأَرض أَجزاؤُهما وما عليهما ، وفى ذلك إِشارة إِلى مقدمة تصلح كبرى من الشكل الأَول ، هكذا كل موجود حادث له تعالى ملكاً أَو تصرفاً ومن شأْنه هذا يقدر على كل ممكن ، فيقدر على القضاءِ والثواب والعقاب ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ ﴾ بالثواب والعقاب على المعنى المصدرى أَو بمعنى موعوده ، ودخل ما كانوا به يستعجلون ﴿ حَقُّ ﴾ لا خلف فى وعده ولا فى وعيده ، لأَن الخلف شأْن من لا يعلم العواقب ، أَما من يعلمها سبحانه فإِن شأْنه يستمر ولا يتبدل ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ﴾ كلهم الأَشقياء ﴿ لاَ يَعْلَمثونَ ﴾ فإِنهم لو علموا شيئاً من أَمر الدين يعاندون لقصر قلوبهم على ظاهر من الدنيا ، وأَراد أَن بعض الكفار يعلمون ويتوبون ويجوز عود الهاءِ للناس .

١٬٦١٤ / ٦٬٠٩٣