تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

11

الجزء ٩ · صفحة ٣٥٧

﴿ فاطرُ السَّمواتِ والأرض ﴾ فاطر خبر رابع اذا جعلنا عليه توكلت خبرا ، فيكون من الأخبار بالمفرد بعد الجملة ، والأولى خلافه فالجملة معترضة ، أو يقدر مبدأ أى هو فاطر ، أو بدل من ربى ﴿ جَعَل لَكُم من أنفسِكُم ﴾ من جنسكم الآدمى ﴿ أزواجاً ﴾ نساء للوطء والولادة وسائر المنافع ﴿ ومن الأنعام ﴾ لكم عطف على من أنفسكم ﴿ أزواجاً ﴾ عطف على أزواجا ذكورا واناثا ، لينتفعوا بالأكل واللباس والحمل وغير ذلك ، وذلك من العطف على معمولى عامل ، وكذا إن قلنا : المعنى جعل من الأنعام أزواجاً للتوالد بين ذكورها واناثها ، كما جعل لكم نساء فالذكر منها مطلقا كالزوج للأ ، ثى ، أو أزواجا ذكورا وإناثا كما فى سورة الأنعام ، وهى لا تتزوج كما تتزوج الطيور .

﴿ يَذرؤكُم ﴾ يكثركم ، وقال ابن عباس وغيره : يجعل لكم معيشة ورزقا ، وعن مجاهد يخلقكم نسلا بعد نسل ﴿ فيه ﴾ أى فيما ذكر التدبير بجعل الأزواج منكم ومن الأنعام ، وقيل : الضمير للجعل المفهوم من جعل ، وفى للظرفية أى فى خلال ذلك وفى أثنائه فهو كالمنبع للكثرة ، ويجوز أن تكون للسببية ، وقيل : الهاء للبطن المدلول عليه بالمقام ، وفى للظرفية ، والخطاب للعقلاء فقط ، فلا تغليب لخطابهم فى غيبة الأنعام ولا للعقلاء عليها ، كما يقول من ادعى : ان الخطاب لهم ولها .

﴿ لَيسَ كمثله شىءٌ ﴾ ما من الأشياء فلا تزواج بينه وبين غيره كما تزاوجتم وتزاوجت الأنعام ، ولا مشاركة لغيره فى شأن من الشئون التى منها التدبير البديع السابق ، ومثله ذاته التى لا تكيف ، لكن عبر بما يفيد نفى المماثلة عن مثل مثله ، لو كان له مثل فكيف عنه بطريق المبالغة أو لا مثل له فى نفس الأمر ، والعرب تقيم المثل مقام نفس الشىء كقولهم مثلك لا يبخل ، أى أنت لا تبخل إلا أنه عبروا بما أفاد انتفاء البخل ، وأنه من جماعة لا يبخلون ، وهو أبلغ من قولك : أنت لا تبخل ، وقيل المثل لاصفة ، وكذا شىء ليس كصفته صفة ، وقيل الكاف زائدة للتأكيد ، وهو أولى من القول بزيادة المثل ، ولو كانت هى المتقدمة ، لأن زيادة الحرف أولى من زيادة الاسم ، والمماثلة تكون فى الذاتيات وفى العوارض نحو الفرس مثل الانسان فى الحيوانية ، ومثله فى الحركة والأكل والشرب ، ويجوز أن يكون المراد نفى المثل عنه تعالى بمعنى أنه لو كان له مثل لكان مثل ذلك المثل ، كقولك : ليس لأخى زيد أخ أى لا أخ له ، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ ، وهو زيد ، وذلك من نفى الشىء بنفى لازمه ، لأن نفى اللازم يستلزم نفى الملزوم .

﴿ وهُو السَّميعُ البَصِيرُ ﴾ العليم بالأصوات وغيرها من الأجسام والألوان والأعراض والأطوال وغير ذلك ، مما يدرك بالبصر ، تعالى الله عن الحواس ، أو البصير العالم بالموجودات مطلقا كما قال الله تعالى : ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ وهكذا الوجهان ، كلما ذكر سمعه تعالى وبصره معا ، وقدم نفى المثل على طريق تقديم التخلى على التحلى ، وهو أهم بنفسه وبالنظر الى المقام ، سبحانه عن كل نقص .

٤٬٣٥٧ / ٦٬٠٩٣