السورة المدنية
الجزء ٢ · صفحة ٢السورة المدنية:
وهي مدنية، وحكى غير واحد من المفسرين الإجماع على ذلك، غير أن قطب الأئمة- رحمه الله- في تفسيره "هيميان الزاد" حكى عن بعضهم أن آيتين منها مكيتان، وهما قوله تعالى: ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم…)(1) ( الآية)، وقوله: ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء…)(2) (الآية). ولا مستند لهذا القول، بل الصبغة المدنية ظاهرة عليهما، فإن أولاهما في مواجهة أهل الكتاب ومن المعلوم أن المعركة بين الدعوة الإسلامية وأهل الكتاب لم تبدأ إلا بعد الهجرة، وأما ثانيتهما فقد جاءت في سياق آيات الإنفاق المدينة، ومن المعلوم أن الآيات المكية وإن أتى فيها ذكر الإنفاق فهو ذكر عابر ليس فيه ذلك التفصيل الذي نجده في القرآن المدني، وروي عن مجاهد: أنها أول سورة أنزلت بعد الهجرة، وهو محمول على فاتحتها دون جميعها، إذ إنها قد صاحبت- نزولا- جميع مراحل الدعوة بعد الهجرة حتى قيل إن آية منها هي آخر ما نزل من القرآن، وهي قوله سبحانه: ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)(3)، نزلت فيما قيل بمنى يوم النحر في حجة الوداع، وهذا لا ينافي ما قلناه من مدينة جميع السورة لما عرفته أن المكي ما كان قبل الهجرة والمدني ما كان بعدها بغض النظر عن مكان النزول.
ولا يشكل عليك نزول آياتها طوال فترة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مع نزول عدد من سور القرآن خلال تلك الفترة، فإن السورة الواحدة لا يلزم أن تنزل متتابعة، فقد تنزل آيات منها ثم تنزل آيات من غيرها قبل استكمالها، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أن توضع كل آية موضعها وعند ما قبض كان جميع القرآن مرتبا متلوا. أما ترتيب الصحابة- رضي الله عنهم- له بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، فلا يعدو