جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

اليهود يخسرون مكانتهم في المدينة

الجزء ٢ · صفحة ١٤

اليهود يخسرون مكانتهم في المدينة:

وشأن اليهود- كما هو ديدنهم دائما- الاصطياد في الماء العكر، وقد كانوا مستفيدين من حروب الأوس والخزرج التي دامت مائة وعشرين عاما، وكانوا هم من ورائها يضرمون نارها، ويحمون وطيسها بشرر فتنهم ووقود دسائسهم، وعندما التأم الشمل بين هاتين القبيلتين المتناحرتين كما التأم بينهما وبين المهاجرين عندما تعاقدوا بالخناصر على مناصرة الله ورسوله، وأذابوا خلافاتهم في بوتقة الإيمان، شعر اليهود أنهم أمام طرق مسدودة، فلا سبيل لهم إلى ما اعتادوه من التحريش بإثارة الأضغان وإلهاب الحفائظ، كما شعروا أنهم فقدوا- بإشراق شمس الإسلام على أرجاء المدينة المنورة- ما كانوا يتمتعون به فيها من قيادة فكرية بين العرب الأميين، كما فقدوا وسائل ابتزاز الثروات وتضخيم رؤوس الأموال واحتكارها، لأن الدين الجديد لن يتساهل معهم في ذلك، وسوف يقيم حياة الناس الاقتصادية على أسس العدالة والاستقلال عن جميع نظم الظلم التي تفشت، كما يقيم الحياة الفكرية على دعائم العلم والبرهان، فلا يستغرب منهم إن جربوا كل محاولة لتحطيم قوة الإسلام وإضفاء نوره، وتمزيق شمله، ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (1).

وبإدراك هذه الظروف التي أحاطت بالأمة المسلمة- كما أحاطت بالدعوة الإسلامية بدار الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- يمكن لمن تأمل أن يدرك أبعاد الهجرة وأن يفهم واقع حياة المهاجرين، فإنهم لم ينتقلوا إلى الدَّعة والراحة والكسل، وإنما انتقلوا إلى لون آخر من ألوان الجد والكفاح، والعمل والفداء.

------------------

1) سورة البقرة الآية "32".

---

٣٥٣ / ١٬٢٢٠