ظهور طائفة المنافقين
الجزء ٢ · صفحة ٩ظهور طائفة المنافقين:
وإذا كانت المعركة في مكة المكرمة كانت رحالها تدور بين طائفتي الإسلام والشرك، فإن أحداث الهجرة تمخضت عن ميلاد طائفة ثالثة، وهي طائفة المنافقين، الذين أرعدت فرائصهم قوة الإسلام، وهالهم سلطانه، ولم يكن لهم من الجرأة والصراحة ما للمشركين، فلم يروا أمامهم طريقا إلا أن يرتدوا أردية الإسلام ليخفوا ما يكنونه من معتقدات الجاهلية، وما يضمرونه من الحقد الدفين، وكانوا يرون أن سياستهم هذه ناجحة لأنهم يهدفون إلى التمتع بالاستقرار والطمأنينة في ظل دولة الإسلام، ومشاركة المسلمين في المغانم والحقوق ما دامت لهذا الدين قوة، وكانوا يطمعون أن لا يكون سلطان الإسلام أكثر من سحابة صيف، غير أن الله سبحانه ما كان ليدعهم يعبثون بين ظهراني المسلمين من غير أن ينزل فيهم من الآيات ما يكشف عن طوايا ضمائرهم، ويجلي خبث سرائرهم، ويتوعدهم بهوان الدنيا وعذاب يوم الدين، ولم يكن الوضع بمكة المكرمة يقتضي وجود هذه الفئة، إذ المشركون فيها هم المتسلطون القابضون على أزمة أوضاعها، فليس ثم من داع لأن يتستر أحد بالإسلام مع إبطانه خلافه. كيف والمسلم كان هناك مهيض الجناح مسلوب الحقوق معرضا لصروف الأذى وضروب البلاء.
---