محنة تجتازها الدعوة
الجزء ٢ · صفحة ٧محنة تجتازها الدعوة:
غير أن حكمة الله عز وجل اقتضت أن يقوم من نفس سادات قريش من يشد أزر هذه الدعوة ويساند نبيها صلى الله عليه وسلم، وهو أبو طالب، عم الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي أبت عليه مروءته الهاشمية وحميته العربية إلا أن يقف في جنب ابن أخيه مع تمسكه بدين آبائه، المناقض لهذا الدين الجديد، فكانت هذه المؤازرة وسيلة لأن تشق الدعوة طريقها بين تحديات المعارضين، ومؤامرات الحاقدين، ولكن إرادة الله شاءت أن لا يستمر هذا الوضع، فمنيت الدعوة بفقد مؤازرها أبي طالب، كما رزئت بمصاب إحدى دعائمها الكبرى وهي السيدة خديجة أم المؤمنين- رضي الله عنها- التي جمعت للنبي صلى الله عليه وسلم بين وفاء الزوج المخلصة وحنان الأم الرؤوم، وكثيرا ما كانت تمسح بيدها الحانية عليه فتجفف منه عرق الإرهاق الذي يعروه، وتأسو كلوم المآسي التي يعانيها، فلا غرو أن كانت وفاتهما رزية فادحة حلت بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالدعوة التي كانت حركتها تتجمد، وكاد صوتها يخفت، إذ لم يبق من بني هاشم- أسرة النبي صلى الله عليه وسلم، ممن بقي على دين قريش- من يجمع بين عاطفة أبي طالب وقوة شخصيته التي تفرض على قريش تقديرها واحترامها.
أما المؤمنون منهم فلم يكن لهم في المجتمع المكي ما كان لأبي طالب من المكانة الاجتماعية، لأن إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم أفقدهم كل تقدير عند طواغيت الكفر، وتلك محنة عنيفة كابدها المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومرحلة صعبة اجتازتها دعوتهم، فلم يكن إذا مناص عن البحث عن قاعدة تأرز إليها الدعوة، ويأوي إليها رجالها، لينطلق منها صوتها عاليا يدوي في جنبات الأرض متحديا ضراوة الكفر وأحقاد الجاهلية.
---