جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفريق الآخر؛ اليهود الحاقدون

الجزء ٢ · صفحة ١٠

الفريق الآخر؛ اليهود الحاقدون:

هذا وقد كان بالمدينة فريق آخر من أعداء الدعوة الألداء، وهم اليهود، الذين أشربت قلوبهم الضلال، وخيم عليها الحقد، واستولى عليها الحسد، وكانت لهم من قبل عدة محاولات لطمس نور الحق، وتشويه وجه الحقيقة في سلسلة أحداثهم التي من بينها مؤامراتهم على أنبيائهم، وتحريفهم ما أُنزل عليهم. وقد امتزج كره الحق وعداوة أهله، والحقد على الإنسانية، بلحومهم ودمائهم، فأصبح ذلك جزءا من طبيعتهم. وفي المجتمع المدني كانت لهم مكانة في أيام الجاهلية، لأنهم أهل كتاب بين أميين، وقد استطاعوا بمكرهم ودهائهم، أن يسيطروا على تجارة المدينة، ويرهقوا سكانها- من الأوس والخزرج- بضرائب فادحة، بطرق الربا الذي يمتصون به الثروات مقابل ما يعطونه من الدَّين، وعندما شعّ نور الإسلام بين جنبات المدينة، وطوى ظلمات الكفر من نفوس أكثر الأوس والخزرج، أحس اليهود بفداحة الخطب النازل بهم، لأنهم شعروا بتقلص سلطانهم الروحي، وفشل حيلهم المادية، وأحسوا أنهم أمام طريقين؛ إما الرضى بالانتظام في سلك الدين الجديد،والاندماج مع غيرهم، والتساوي معهم في الحقوق والأحكام، وإما التمسك بما كانوا عليه من عقائد مع فقدان ما كانوا يتمتعون به من مزايا خاصة. وكلا الأمرين صعب عليهم، فإنهم يحرصون دائما أن يبقوا طبقة متميزة، ويحذرون من الذوبان في أي أمة أو شعب أو مجتمع، وكانوا يتطلعون إلى السيادة في الأرض، والقيادة في البشر، لأنهم يعرفون- لما تبقى عندهم من علم الكتاب- أن نبيا قد أظل زمنه، تعم دعوته وتسود أمته، وما كانوا يظنون سيظهر من غير الشعب الإسرائيلي، فكانوا يترقبون دائما أن ينشأ بينهم هذا النبي، لا لأجل اتباع هداه، ولكن لأجل ما يطمحون إليه من العلو في الأرض.

فلما انكشف المر على خلاف ما كانوا يطمعون، زاغت أفكارهم واضطربت نفوسهم، واشتعلت بين جوانحهم

٣٤٩ / ١٬٢٢٠