جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الدعوة في مكة

الجزء ٢ · صفحة ٦

الدعوة في مكة:

ولم تكن هذه الهجرة حادثا اختياريا، وإنما كانت أمرا ضروريا فرضه الواقع المرير، وصرفه القدر النفاذ(1) فالدعوة بدأ صوتها في شعاب مكة المكرمة همسا بين ضجيج الجاهلية وصخبها، وما لبث هذا الصوت الهامس أن تحول من الخفوت إلى الهدير الذي أصم أسماع شياطين الباطل، وأرجف قلوبهم، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، فبذلوا جهدهم لأجل إسكاته، وحاولوا الحيلولة بينه وبين مسامع الجمهور لما يخشونه من استقطابهم، لأنه صوت الفطرة الذي يخرج بالإنسان من مضيق الكفر إلى رحاب الإيمان، ولم يألوا جهدا في فرض أنواع العقوبات الرهيبة على كل من حدثته نفسه بأن يستجيب لهذا النداء، وقد فادتهم أنهم لا يقاومون أمرا بشريا، وإنما يقاومون أمر الله الذي لا يعجزه شيء، فما لبثت الدعوة أن اقتحمت السدود، واجتاحت العراقيل، ووصلت إلى نفوس المستضعفين الذين نكبوا بقهر الجبارين، وبطش الظالمين، فأفرغت فيها السكينة، وأفاضت عليها الطمأنينة، وهنا نشأت المقاومة العنيفة بين معسكر الإيمان الذي يجمع لفيفا من المستضعفين، ومعسكر الكفر الذي يضم الطواغيت المتسلطين، ومن حيث إن السلطان كان في أيدي أولئك الطواغيت الذين لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلوبهم، تعرض فريق المؤمنين لضروب الإيذاء وأنواع المحن، فكان صبحهم لا يتجلى إلا عن جديد من المكائد والمؤامرات، وليلهم لا يغشى إلا بأثقال الهموم التي كادت تسد على نفوسهم منافذ الصبر وتطفئ منها شعلة الرجاء.

------------------

1 ) ناسب إلقاء هذا الكلام- في درس التفسير- الاحتفال بذكرى الهجرة في المحرم عام 1403هـ.

---

٣٤٥ / ١٬٢٢٠