جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

السورة تصور أحوال كل فريق

الجزء ٢ · صفحة ١٢

السورة تصور أحوال كل فريق:

وتصور لنا بداية هذه السورة- وهي أول ما نزل في هذا الطور- طبيعة كل فريق من هذه الطوائف، فقد استهلت براعتها بإعلان أن الكتاب المنزل هدى للمتقين، وكشفت الستار عن صفاتهم التي يتحلون بها في الدنيا، وجلت المصير الذي ينقلبون إليه يوم القيامة، ثم عطفت العنان إلى فريق المشركين الذين جاهروا بعقيدتهم، ثم أفاضت في وصف الفريق الثالث- فريق المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء- وكشفت أنواع المخازي التي يوارونها بأستار الخداع، ولأجل خطورة هذا الفريق على الدعوة ورجالها، ومؤامراتهم على الإسلام ونبيه، لم تقتصر السورة على مقدار يسير في تعرية أحوالهم، بل توالت ثلاث عشرة آية كل واحدة منها ذات دلالة واسعة على خطورة النفاق ومساوئ المنافقين. ثم واجهت البشر جميعا على اختلاف مسالكهم بدعوتهم إلى عبادة الله وتذكيرهم بآلائه المتمثلة في خلق الإنسان وخلق ما في هذا الكون، أرضه وسمائه، لتحقيق منفعته. وتخلل ذلك وعد بالثواب ووعيد بالعقاب، للحث على الخير والردع عن الشر، ثم ولي ذلك بيان خلق الإنسان والتعريف بمنصبه وهو الخلافة في الأرض، مع تحذيره مما يهدد أمنه من وساوس الشيطان ومكائده، وتبيان ما تقتضيه هذه الخلافة، وتستلزمه محاربة الشيطان من اتباع هدى الله، واستلهام الرشد من قبله.

ثم عات السورة فواجهت الفريق الرابع- وهم اليهود- واستهلت هذه المواجهة بتذكيرهم بنعم الله، التي من بينها تفصيل أسلافهم بما أوتوه من الهدى، وتعاقب رسل الله إليهم، ودعتهم إلى الوفاء بعهد الله، والإيمان بما أنزل مصدقا لما معهم، وحذرتهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق، ودعتهم إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ووبختهم على أمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم.

ثم انقلبت بهم إلى قصتهم مع فرعون، ومنة

٣٥١ / ١٬٢٢٠