تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

84

الجزء ٣ · صفحة ٥٠٠

﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ﴾ لأَن نفاقهم إِضمار شرك ولو كان نفاق جارحة لأَجاز له الصلاة عليهم لقوله A : « صلوا على كل بار وفاجر » ، ويدل على أَنه إِضمار شرك قوله إِنهم كفروا بالله ورسوله فإِنه لا يقال للمنافق بالجارحة كفر بالله ولا كفر برسوله بل يقال كفر وكافر ، ومات نعت ﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ لدفن أَو زيادة فى الحين أَو بعد ذلك ، أَو لدعاءٍ كذلك ، أَو لتلقين شهادة أَو إِيناس أَو إِظهار شفقة عليه أَو لشفقة ، فقيل لم يصل عليه ولم يقم على قبره أَلبتة . أَراد الصلاة فنزلت الآية . ويروى أَنه A زار قبر أُمه عام الحديبية فى أَلف مقنع فناسب أَنها أَحياها الله قبل وآمنت به A ، وقوله A : « زوروا القبور فإِنها تذكركم الآخرة » مختص بقبور الموحدين ، ويروى أَنه لما احتضر عبد الله بن أُبى أَو ثقل مرضه أَرسل إِلى رسول الله A فسأَله أَن يدعوا له ويصلى عليه إِذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه ليكفن فيه والمنافقون عنده ، فأَسلم أَلف من المنافقين لما علموا أَنه يرجو بركته A ، وروى أَنه أَرسل إِليه قميصه فرده فقال : أُريد القميص الذى يلى جسده فأَرسله إِليه ، فلامه عمر لشركه فقال A : « ما يغنى عنه قميصى مع شركه » ، وأَرجوا أَن يسلم به أَلف ، وروى أَنه لما مات جاءَ ابنه عبدالله فقال : يا رسول الله إِن لم تصل عليه لم يصل عليه مسلم ، فجاءَ A ليصلى عليه فقام عمر بينهما لئلا يصلى عليه ، فنزل جبريل فأَخذ بثوبه ، وأَوحى عليه الآية فلم يصل عليه ، والمشهور أَنه صلى عليه ، وذلك لظاهر حاله من التوحيد ، ويروى أَن عمر جبذه فوافق جبذ جبريل والآية ، وذكرت فى شرح نونية المديح ما وافق به عمر الوحى ، وروى أَنه قال عمر رضى الله عنه له A : أَتصلى عليه وقد قال كذا فقال : « أَخر عنى يا عمر » ، وتبسم : وقال أَيضا : أَتصلى عليه وقد نهاك الله عن الصلاة عليه؟ وقال : « أَخر فإِنى خيرت ولو علمت أَنه يغفر له إِن زدت على السبعين لزدت » ، قال : ولم أَلبث إِلا يسيرا فنزلت الآيتان ، ولا تصل على أَحد ، قال A : « لو لم أُبعث نبيا لبعثت يا عمر نبيا » ، وقيل : الذى رد قميصه وطلب الذى يلى جسده هو ابنه عبدالله الجارى على طلب أَبيه ، وسبب إِعطاءِ القميص رجاءُ إِسلام قومه وتطييب خاطر ابنه ، فإِنه حسن الإِسلام عالم مجتهد فى العبادة وإِعلاءِ الدين ، وأَنه كافأَه على إِعطائِه العباسَ قميصه حين أسر ببدر وكان لطوله لا يكفيه إِلا قميصه ، أَو اُوحى إِليه بِإِعطائِه ليسلموا ، أَو لأَنه عليه أَن يعطيه وقت مشارفة الموت وهو وقت توبة الكافر وإِيمان الفاجر ، وأَن الله D أَمره أَن لا يرد سائلا ، قيل : أَو لغفلة اقتضتها غلبة الرأْفة عليه أَو تعمد لإِظهارها وأَيضا منع القميص داع إِلى نسبته إِلى الإِخلال بالكرم وليس فى شىءٍ من ذلك إِعزاز الكافر ، وكذلك صلى عليه ، أَو أَراد الصلاة عليه مع أَنه لا يصلى على مشرك لظنه أَنه تاب كما مر ، وروى أَنه صلى عليه ثم نزلت ، وروى أَنه بعدما أُدخل قبره كشف عن بعضه فنفث عليه وستره ، ونزلت الآية بعد ، وروى أَنه قال : ما يغنى عنه قميصى وصلاتى ، وإِننى أَرجوا أَن يسلم به أَلف من قومه ، وعلل النهى بقوله ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ مشركون أَى ماتوا ولم يتوبوا من الشرك ، أَو المراد فسق الجارحة فإِنه قد يكون الكافر بالله ورسوله غير فاعل بجارحته زنى أَو سرقة أَو غصباً أَو ظلماً وغير ما ذكر ، ولو كان لا يخلو من ترك الصلاة وغيرها فأَخبر الله سبحانه وتعالى أَن هؤلاءِ المنافقين جمعوا بين الشرك وأَفعال الفسق التى دون الشرك .

١٬٥٠٠ / ٦٬٠٩٣