69
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٩﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أَى أَنتم أَيها المنافقون والمنافقات والكفار كالذين من قبلكم ، أَو فعلتم كفعل الذين من قبلكم على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب ، أَى أَشبهتم من قبلكم فى الأَمر بالمنكر والنهى عن المعروف والشح كما قال ﴿ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمِعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا ﴾ لا إِنه زاد فى المشبه به بيان أَنه أَشد قوة وأَكثر مالا وولدا ، وصرح بالخوض فى التشبيه مراعاة لقوله : ﴿ إِنما كنا نخوض ونلعب ﴾ وذلك لبعد ذكره ، ويجوز أَن يكون محط التشبيه هو قوله : ﴿ فاستمتعوا ﴾ وقوله ﴿ وخضتم ﴾ كقولك أَنت كزيد يقتل الأَعداءَ وتقلتهم وتجود كما يجود ، والمراد بالقوة قوة الأَبدان والاستمتاع التمتع العظيم ، فالاستفعال هنا للمبالغة لأَن أَصله العلاج والطلب وخلاقهم نصيبهم من ملاذ الدنيا من الخلق بمعنى التقدير ، فإِن نصيب كل أَحد مقدر له ، والآية ذم لهم باتخاذهم طريق من اختار الدنيا وركن إِليها عن الآخرة . ذكر بعض أَن قوله كما استمتع الذين من قبلكم مغن عن قوله ﴿ فاستمتعوا ﴾ وإِنما ذكر الأَول والثانى معاً للتأْكيد ، ولبيان أَن محط التشبيه الاستمتاع ، ثم زيد بيان بقوله كما إِلخ . . . وفى هذا إِشارة إِلى أَن الأَصل وخاضوا وخضتم كالذى خاضوا كما فى قبله ، فالأَصل استمتعم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم دون ذكر بخلاقهم وبإِسقاط فاء فاستمتعتم ، وكذلك أَظهر الذين للتأكيد والأَصل كما استمتعوا بخلاقهم كما استمتعوا به بالإِضمار للخلاق ، ولا مانع من أَن يقال بأَن يكفى الأَول عن الثانى وجمع تأَكيدا ، ثم إِن الفاءَ فى قوله فاستمتعوا ظاهرة السببية دون إِلغاءِ فى قوله فاستمتعتم بخلاقكم ، لأَن كون من قبلهم أَقوى وأَكثر أَموالا وأَولادا لا يكون سبباً للاستمتاع من بعدهم ، فالثانية إِما بمعنى الواو ، أَو لمجرد الترتيب الذكرى ، وهذا لا يتم لأَن ما عطف على المسبب يكون مسبباً ، وإِما للسببية باعتبار أَن لهم أَموالا وأَولادا وقوة ، ولو كانت لمن قبلهم أَقوى وأَكثر ، فكانت قواهم وأَموالهم وأَولادهم سببا للاستمتاع لهم ، كما للذين من قبلهم ، وقد يقال بالسببية فى الثانية بلا تقدير على معنى اقترائهم فى الاستمتاع بالأَولين ، والآية تنبيه على أَنه عوقب من هو أَشد وأَكثر منهم . فكيف هم والأَمر فى قدرة الله سواءٌ ، والمراد بالخوض الخوض فى الباطل ، والذى واقع على الفريق باعتبار لفظه ، وجمع فى خاضوا لاعتبار معناه ، والرابط الواو ، أَو على الخوض فالرابط ضمير هو مفعول مطلق محذوف ، أَى وخضتم كالخوض الذى خاضوه فلا تهم أَن الهاءَ مفعول به ولا أَن التقدير فيه وإِنما هى كهاءِ قولك القيام قمته ، وذلك أَولى من أَن يقال الأَصل كالذين حذفت النون تخفيفاً ، وأَولى من أَن يقال الذى حرف مصدر ، أَى خوض كخوضهم ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الخطاب له A أَو لكل من يصلح ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ الإِشارة إِلى المشبهين الآخرين والمشبه بهم الذين من قبلهم ، وقيل إِلى المشبه بهم ، فيكون حكم المشبهين مفهوماً ضمنا وفيه أَن الأَنسب حينئذ أَن يقال أُولئك .