تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

106

الجزء ٤ · صفحة ٢٥

﴿ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ﴾ الأَصل مرجيون بالياءِ لغة من قال أَرجاه بالأَلف يرجيه بالياء ، أَو أَصله مرجئُون بالهمزة لغة من قال أَرجأَه يرجئُه بالهمزة بعد الجيم حذفت تخفيفاً أو قلبت ياءً ، فحذفت الياءُ ، والإِرجلاءَ التأْخير ﴿ لأَمْرِ اللهِ ﴾ إِلى أَمر الله أَو اللام للتعدية أَو التعليل أَخر الله أَمرهم لأَنهم لم يسارعوا إِلى التوبة كما سارع غيرهم عند رجوع رسول الله A من تبوك ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ ﴾ بأَن لا يقبل توبتهم فيعذبهم ﴿ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ يوفقهم إِليها ، وهذا تردد مصروف إِلى العباد ، والله عالم بما قضى به فى الأَزل ، وهو أَنهم تابوا وأَنه يقبل توبتهم ، فذلك ترديد من الله للعباد لا تردد كما يذكر أَن تشكيكاً لهم ، ولعل وعسى ترجية لهم لا شكاً منه أَو ترجيا منه ، والناس ما بين قائِل لا تنزل لهم توبة وقائِل عسى أَن تنزل ، فهذا ترددهم ، وذلك أَنه تأَخر نزول توبتتهم خمسين يوماً من حين يرجع A من تبوك إِذ غاب خمسين يوماً . ﴿ وَاللهُ عَلِيمٌ ﴾ بخلقه وأَحوالهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يفعل ودخل هؤُلاءِ المرجون بالأَولى والذات أَو هم المراد وهم ثلاثة : مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال ابن أُمية بضم الهمزة ، تخلفوا كسلا وميلا إِلى الراحة لا نفاقاً ، ولم يعتذروا كغيرهم تمتعوا فى التخلف فشدد عليهم ، تابوا لما رجع من تبوك وعلم بتوبتهم ، وقيل اعتذروا ولم يبالغوا فى الاعتذار كما بالغ غيرهم ، وكانوا أَصحاب أَموال موسرين ، وروى أَنهم قالوا : نحن موسرون ، متى شئنا لحقنا إِلى رسول الله A ، فتمادوا حتى يئِسوا من اللحوق فندموا ، ولكن لم يعتذروا بشدة كأَصحاب السوارى ، كأَنهم لم يطمعوا فى قبول التوبة ، وروى أَنه لما قدم رسول الله A قيل لكعب : اعتذر إِلى رسول الله A ، فقال : لا والله حتى تنزل توبتى ، وكأَنه آيس من قبوله A اعتذاره ، وأَما صاحباه فاعتذرا ، فقال : ما خلفكما عنى؟ قالا : لا عذر لنا إِلا الخطيئة ، ونزلت الآية ﴿ وآخرون مرجون لأَمر الله ﴾ فنهى الناس عن مجالستهم والتكلم معهم ومن السلام عليهم ، وأَمرهم باعتزال نسائِهم وإِرسالهن إِلى أَهليهن ، فسأَلته امرأَة هلال أَن تأْتيه بطعامه لأَنه شيخ كبير وأَذن لها فى الطعام خاصة ، وجاءَ رجل من الشام بكتاب إِلى كعب يرغبونه فى اللحاق إِلى الشام ، وأَنه لم يخلقه الله بدار مهينة ، فسجر به التنور وقال : طمع المشركون فىّ لخطيئَتى ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبكى هلال حتى غشى على بصرد ، وقد أَخلصوا بنياتهم ونصحوا فى توبتهم فرحمهم الله بقوله : ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ﴾ إِلخ ، فقال A : « أَبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أُمك » وعن ابن بطال : شدد عليهم لأَن الجهاد فرض عين على أَهل المدينة ، لأَنهم بايعوا رسول الله A على القتال ، وقيل : الآية فى قوم منافقين يعذبهم إِن أَصروا ويتوب عليهم إِن تابوا ، وهو مخالف لما فى الحديث .

١٬٥٢٥ / ٦٬٠٩٣