تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

81

الجزء ٣ · صفحة ٤٩٧

﴿ فَرَحَ المُحَلَّفُونَ ﴾ الاثنا عشر الذين خلفوا أَنفسهم أَو خلفهم الله أَو خلفهم الشيطان عن النبى A وعن الغزو ، أَو خلفهم الكسل أَو النفاق أَو النبى A إِذ طلبوا التخلف فأَذن لهم فيه ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ بقعودهم عن غزوة تبوك ﴿ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ ﴾ أَى خلفه ، يقال خلف كذا وخلافه بمعنى ، وهو متعلق بمقعد أَو مصدر بمعنى الوصف أَى مخالفين لرسول الله A ، أَو يقدر ذوى خلاف له وهو حال ، ويجوز أَن يكون مفعولا مطلقاً لمقعد وهو مصدر ، فإِن التخلف عنه قعود عنه ، كقمت وقوفاً أَو مفعولاً من أَجله أَى لأَجل خلاف رسول الله A ، والناصب فرح ﴿ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ لميل الطبع إِلى الراحة والقعود مع الأَهل والولد والحياة ، إِذ لم يعالجوا أَنفسهم إلى ما فعل المؤْمنون من دخول المشقة ومفارقة الأَهل والمال والولد وبذل أَموالهم وأَزواجهم لرضى الله D ، ففى الآية تلويح بمدح المؤمنين بأَنهم رضوا ذلك ولم يكرهوا . ﴿ وَقَالُوا ﴾ للمسلمين على وج ادعاء النصح أَو لضعفاءِ المسلمين أو قال بعض لبعض . ﴿ لاَ تَنْفِرُوا ﴾ إِلى الجهاد ﴿ فِى الحَرِّ ﴾ كانت غزوة تبوك فى زماة شدة الحر مع القحط وبعد المسافة وخوفهم من شدة قتال الروم ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ﴾ من حر السفر إِلى تبوك ، وكان الواجب أَن يقوا أَنفسهم به عن حر جهنم ، ولكن اختاروا حر جهنم عنه بالمعنى للمخالفة ﴿ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أَى لو كانوا يعلمون بجهنم وأَشدية حرها لم يختاروا عدم الخروج . ﴿ فَلْيَضْحَكُوا ﴾ الفاءُ لسببية ما سبق للإِخبار بالضحك والبكاءِ لا لنفسهما ﴿ قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ﴾ أَى زمناً قليلا وزمنا كثيراً أَو ضحكاً قليلا وبكاءً كثيراً ، والضحك فى الدنيا والبكاءُ فى الآخرة ، ويروى أَن المنافقين يكونون فى النار قدر عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم . وقيل : كلاهما فى الدنيا كحديث : « لو تعلمون ما أَعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيراً » ، ولا يخفى أَن الدنيا وما فيها بالنسبة للآخرة ولو مع غاية الكثرة والمنقطع الفانى ، مثل العدم بالنسبة للدائم ، وإِن شئْت فالضحك أَيضاً فى الآخرة ، وعليه فالقلة العدم كما يطلق الكثرة على الكل فلا ضحك لهم فى الآخرة ، ويجوز كون الضحك والبكاءِ كناية عن الفرح والحزن لا حقيقتهما ، ولام الأَمر للتأْكيد ، والمراد الإِخبار بأَنهم ضحكوا فى الدنيا قليلا ويبكون فى الآخرة كثيراً ، فإِن الأَمر لا يتحمل الكذب كما لا يتحمل الصدق ، ألا ترى إلى قوله تعالى : كن فيكون ، بصيغة الأَمر ، وأَمر المطاع لا يتخلف ، والأَمر للوجوب فناسب التعبير به فكأَنه قيل لا بد من ضحكهم قليلا وبكائِهم كثيراً ، فتارة ذلك وتارة يستعمل الخبر بمعنى الأَمر لتحقق الوقوع كأَنه وقع فأَخبر عنه ، والمراد بكثرة ما فى الأَمر ما لا نهاية له .

١٬٤٩٧ / ٦٬٠٩٣