3
الجزء ٤ · صفحة ٥٩﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَّوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّام ﴾ أَوقات ، أَو مقدار ستة أَيام من أَيام الدنيا بلياليها ، واليوم فى اللغة يطلق على الوجهين وعلى النهار لا حقيقتها لأَنه لا شمس قبل خلقهن ، يروى عن ابن عباس أَن كل يوم من الستة ألف سنة ، فالستة من أَيام الآخرة وهو قادر أَن يخلقهن وأَضعافهن فى أَقل من لحظة ، ولكن تعليم لخلقه أَن يتمهلوا للتثبت ، والله يختص بعلم حكمة الستة الخاصة مع أَن التثبت يمكن بأَقل وبأَكثر أَيضاً ، ويقال السموات والأَرض هن أَصول الحوادث اليومية لأَن السماءَ والأَرض كالقابل ولا يحتاج إِلى هذا مع إِيهامه أَن للنجوم تأْثيراً فى الحوادث ، وهو قول الكفرة ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ خلقه ، وكان الاستواءُ على ظاهره مع القول بلا كيف فإِنه دخول فى الظلمة بعد وجود النور ، ومن كان غنياً عن الأَمكنة والأَزمنة فهو غنى عنها لا يحل فيها ، تعالى عن صفات الخلق ، والعرش قبل السموات لقوله تعالى : وكان عرشه على الماءِ ، فثم بمعنى الواو أَو للترتيب الذكرى بلا مهلة ، ومر كلام فى الأَعراف ، ويجوز أَن يراد بالعرش واستوائه عليه تصرفه فيه بالإِحداث والإِعدام والتحريك والإِسكان وجميع الأَحوال . وقيل الاستواءُ على العرش بسط السموات والأَرض وتشكيلها بالأَشكال الموافقة لمصالحها وما خلقن لأَجله وغير ذلك ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ يقدر وحده بحسب الحكمة والمراتب ، وفسره مجاهد بالقضاءِ ولا يحتاج إِلى فكر ، ولاعتبار الحكمة ناسب لفظ يدبر فهو مجازى باللزوم والتسبب ، ومعنى يدبر دبر فهو بمعنى الماضى وليس للتجدد إِلا على معنى متعلق تدبيره الأَزلى ، فإِنه يتعلق بالحادث إِذا حدث ﴿ الأَمْرَ ﴾ أَو حال من ضمير استوى أَو مستأْنف ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ ﴾ لأَحد فى وقت من الأَوقات ﴿ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ ﴾ دفع لأَن يساوى أَو يفاق ، ورد على من زعم أن الأَصنام تشفع فإِنها ليست أَهلا أَن تشفع بدليل ضعفها وعدم تكليفها ، وإِثبات للشفاعة لمن أّن له فيها لفضله بالعمل بالتكليف ، والأَصنام لا تنطق ولا تدرك فكيف تشفع فليش من شأْنها أَن يؤذن لها ، وإِنما الإِذن لطالبه المدرك ، فالآية تتضمن نفى إِدراكها ونطقها ، ونفى شفاعتها ، والجملة خبر آخر أَو حال من ضمير يدبر أَو مستأْنف ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ أَى الخالق المستوى على العرش المدبر للأَمر الذى لا يخرج شىءٌ عن إِذنه ﴿ اللهُ ﴾ خبر أَو بيان ﴿ رَبَّكُمْ ﴾ خبر ثان أَو خبر وهذا تأْكيد لقوله ﴿ إِن ربكم الله الذى خلق ﴾ إِلخ ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾ وحدوه أَو اعبدوه وحده ، عطف إِنشاء على إِخبار ، وإِن شئْت فذالكم إِلخ بمعنى وحدوه ، فهو فى معنى الأَمر ، واعبدوه أَطيعوه ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أَتعلمون أَن الأَمر ذلك فلا تذكرون أَنه لا شريك له فى الأُلوهية ولا فى العبادة كما أَنه لا يشاركه شىء فى الخلق التدبير ولا يستقل بهما غيره ، وأَنه لا يعبث ولا يترك الخلق سدى فلا بد أَن يكون للعالم خالق مخالف لها قادر ، كما قال إِن ربكم إِلخ ، وأَن يتحقق البعث للجزاءِ المرتب على الإِنذار والتبشير كما قال :
﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ إِلخ فلا بد من بعث الرسول لإِقامة الحجة ومن الرجوع إِلى الله إِلى غيره ولا مع غيره بالبعث للجزاءِ فاستعدوا لذلك .