50
الجزء ٥ · صفحة ٣٨٣﴿ أَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ ﴾ أى المشركين منهم ، وأما المؤمنون فليسوا فى هذا المقام ، ولا يدعون إلى عبادة غير الله ، ومن عَبَده فقد ضل وحده .
﴿ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى ﴾ أتجهلون عداوته فتتخذونه ، أو أتكفرون نعمتى فتتخذونه وذريته أولياء بدلا منى ، وتطيعونهم بدل طلبتى ، أو الذرية أتباعه مطلقا من الجن والإنس تسمية للكل باسم البعض ، قيل : إبليس لم يتزوج ولم يلد ، وإنما الجن والشياطين ممن قبله ، وقيل : كان ملكاً ، ولما عصى مسخ ، وجعل يتزوج ، وقيل : يدخل ذَنَبه فى دبره فيلد ، فيبيض ، وتفلق البيضة عن شياطين ، وهو قوله تعالى ﴿ ذريته ﴾ وهو الصحيح .
والمانع بقول ذريته أتباعه كما يقال للأتباع : الإخوان ، ولا يولد آدمى إلا ولد معه شيطان يقرن به ، ويقال : ولد خمسة : تبر وهو صاحب المصائب ، والأعور وهو صاحب الزنى اسم يدخل مسمع الرجل الذى يدخل بيته ولم يسلّم ، ويأكل معه إذا لم يسمّ ، ومسوط وهو صاحب الصخب ، وقيل : صاحب أخبار الكذب ، يلقيها على أفواه الناس ، وزليفور وهو الذى يفرق بين الناس ، ويبصر الرجل عيوب أهله ، وقيل : صاحب الأسواق .
ويقال : إن جميع ذربته من خمس بيضات ، ويجتمع على المؤمن الواحد أكثر من ربيعة ومضر ، ويجوز أن يراد بالذرية أولاده وأتباعه جمعًا بين الحقيقة والمجاز أو حملا على عموم المجاز ، وقيل : يلد بذكر فى فخذه اليمنى ، وفرج فى اليسرى .
﴿ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ فى الدين والدنيا ، والمعنى والحال أنهم أعداء لكم ، كما أنهم أعداء الله وذلك كفر لنعمة الله ، وصداقة لأعدائه .
﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ من الله ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره إبليس وذريته ، وهم مخلوقون خلقهم الله ، وليسوا خالقين للسموات والأرض ، ولا لأنفسهم فكيف يستحقون العبادة ، وعرض ذلك بقوله :
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾ ما أحضرتهم أى إبليس وذريته ﴿ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ حين خلقت ذلك فاللفظ لنفى إحضارهم ، والمعنى لكون الله الخالق لا هم فكيف يُعبدون ، أو ليسوا ممن يبالى بهم ، فكيف أحضرهم منذ خلق السموات والأرض ، وخلق أنفسهم ، فهذا تعريض بحقارتهم ، هم لا يعتبرون إلا بالانتقام منهم ، ولا يتقوَّى بهم ، والله كامل القوة ، لا يتقوَّى بهم ولا بغيرهم .
إن قلت : حضور الشئ لنفسه قبل وجوده محال ، فكيف قال : « ولا خلق أنفسهم »؟
قلت : المعنى ولا أشهدت بعضا منهم ، موجوداً لخلق بعض منهم ، غير موجود ، كقوله تعالى : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ أو ما أحضرت بعضًا خلق بقية جسده .
﴿ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ كعضد اليد أتقوى به ، يقال : عضده قوَّاه ، والمضلين إبليس وذريته من وضع الظاهر موضع المضمر ، ليعيب عليهم بذكر الإضلال ، فهم سفهاء مناقضون لما دعوا إليه من الحكمة ، والحكيم لا يتخذ السفيه عضداً ، فكيف أحكم الحكماء بأسفه السفهاء .