43
الجزء ٦ · صفحة ٩١وقيل للتعليل بمنزلة التذكر أو الخشية ، فلا حالية قيل كل لعل فى القرآن للتعليل إلا لعلكم تخلدون فللتشبيه والتعليل هنا أولى من التشبيه والاستفهام بعيد ، لأن الآية ليست لمقام هل يتذكر أو يخشى ، ولا لأن يقولا له هلا تتذكر أو تخشى ، وقال لعله يتذكر أو يخشى مع علمه أنه لا يتذكر ولا يخشى ، لأن الترجى لموسى وهارون ، أى اذهاب عن رجائكما ، وباشرا الأمر مباشرة من يطمع أن يثمر عمله ، ولالزام الحجة وقطع المعذرة ، وقيل لعله يتذكر متذكر أو يخشى خاش برد الضمير الى اسم الفاعل من الفعل ، وقد تذكر كثير ، وخشوا ، وقيل لعل من الله واجب ، وقد تذكر وخشى حين الغرق ، وحين لا يقبل عنه ، وقيل خشى وتذكر ، وأراد الإيمان فمنعه هامان ، وكان لا يقطع أمراً دونه ، وقد مر .
وفرقت الآية عند يحيى بن معاذ فبكى وقال : إلهى ، هذا رفقك بمن يقول أنا الإله ، فكيف بمن يقول أنت الله ، وهذا رفقك بمن يقول أنا ربكم الأعلى ، فكيف بمن يقول سبحان ربى الأعلى ، وكان الفضل بن عيسى الرقاشى إذا تلاها قال : يا من يتحبب الى من يعاديه ، فكيف بمن يتولاه ويناديه ، قال بعض تلاميذ الخليل : ينبغى للرجل أن يكون قوله للناس ليناً ووجهه مستبشراً منبسطاً مع البر والفاجر ، والسنى والمبتدع من غير مداهنة ، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى سيرته ، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام : « فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى » وأنت لست بأفضل من موسى وهارون عليهما السلام ، والفاجر ليس بأخبث من فرعو ، وقد أمرهما الله تعال بلين القول مع فرعون ، لأن فى إلانة القول كسراً لشوكة السوء ، وجلباً ، وكأنه قيل فماذا قالا فقال :
﴿ قالا ﴾ موسى ، هرون على أنهما اجتمعا فى الطور ، أو قال هارون فى مصر أو فى طريق التلقى ، فجمع الله قولهما كما جمع خطاب كل رسول فى أزمنتهم ، فى قوله D : ﴿ كلوا من الطيبات ﴾ ﴿ ربَّنا إِنَّنا نَخافُ أن يَفْرط عليْنا ﴾ يتقدم فرعون ويعجل قبل دوعتنا والفارط من يتقدم ليهيىء الماء ، وفرس فارط يسبق الخيل . والميت الطفل فرط لأبويه ، كما فى الحديث ، فخوفهما للقطع عن التبليغ ، لا ليعاقبهما ، وإن كان للعقاب فلعله قبل أن يوحى إليه ﴿ سنشد عضدك بأخيك ﴾ الخ وتقديم الحكاية لا تفيد الترتيب ، لأنها بالواو وأيضا ، لعل لا يصلون إليكما بمعنى لا حجة لهم عليكما ، أو أراد بالخوف طلب زيادة دليل حسى ، على أنهما غالبان له ، كقول إبراهيم : ﴿ رب أرنى كيف تحيى الموتى ﴾ ولا ينافى خوفهما ما تقدم من شرح الصدر ، وإيتاء السؤل ، لأن الخوف بالطبع ، وشرح الصدر وإيتاء السؤل فى شأن حفظ ما يوحى ، والعزم على التبليغ ، وأيضا يخاف الإنسان من شىء ، ويصبر عليه إذا وقع ، وإيتاءه التيسير المطلوب لا يمنع الخوف من قطع التبليغ ، لأن طلب التيسير إنما هو باعتبار أن لا يقصر لا بمعنى لا مانع من قطع عدوه له ، أو خاف هارون قبل أن يبلغه ما أنزل الله من التقوية ، فغلب على موسى ، ونسب إليه الخوف معه ، حكما على المجموع .