تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

2

الجزء ٣ · صفحة ٩٤

﴿ كِتَابٌ ﴾ هذا كتاب ﴿ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ من الله يا محمد ، والمضى لتحقق الوقوع ، والبناء للمفعول للعلم بالفاعل وللبناء على تحقق أَنه من الله ولو كذبوه ، والمراد ما نزل كله ، أَو القرآن كله ، لأَن نزول بعضه شروع في نزوله فهو كالشيء المدلى وصل بعضه ويصل باقيه بعد ، كما أَنه إِذا جعلناه اسماً للسورة فثد وصفها بالنزول وما نزل إِلا أَولها ، وجملة أُنزل نعت كتاب ، وإِذا جعل اسماً للسورة أَو للقرآن فهو مبتدأ خبره كتابن أَو هو حروف مراد بها التنبيه على تلقي ما يوحى إِليه من جنس الحروف ، أَو هذا المحتوى به مؤلف من جنس هذه الحروف ، أَو المؤلف على جنس هذه الحروف كذا ، وكتاب على هذا خبر لمحذوف ، أَي وهذا المؤلف كتاب أنزل ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ شك ﴿ مِنْهُ ﴾ أَي بسببه ، نعت حرج أو متعلق به ، والحرج الضيق ، وعبر به هنا عن ملزومه وسببه ، فإِن الضيق يلزم الشك ، فالشك ملزومه ويتسبب عن الشك فالشك سببه ، وذلك أَن قلبه A لا يضيق بإِنزال الكتاب وبنفس الكتاب أَو بكونه من الله لأَنه مصدق بذلك مذعن له منشرح له . وإِنما ضاق بخوف أَن لا يقبله الناس ، وخوف اَن لا يقوم بحقه ، ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إِليك وضائق به صدرك أَن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أَو جاءَ معه ملك ﴾ أو جرت الآية مجرى قوله تعالى ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ من الممترين ﴾ والمنهى الحرج لأَنه فاعل يكن أَو اسمه ، ويكن دخل عليه النهى فهو من نهى الغائب ، واو قيل لا تحرج لكان نهياً للمخاطب ، والمراد : دم على عدم الحرج ، أَو ازدد من منافاة الحرج ، أَو اللفظ له والمراد أمته ، وفي النهي عن الحرج مبالغة بالتعبير عن عدم كونه في حرج بعدم الحرج في قلبه فذلك نهى عما يورث الاتصاف بأَنه A حرج ، نهى عن المسبب فالنهى عن السبب بطريق البرهان . وإيضاح ذلك أَن عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضاً للحرج ، فذكر اللازم وأريد به اللزوم وهو معنى الكناية وهي أَبلغ من الحقيقة لأَن فيها إِثبات الشيء ببينة . وفي ذلك كناية أُخرى وهي أَنه توسل بالنهي عن الحرج إلى النهي عن الشك ، لأَن الشاك ضيق الصدر فالحرج من لوازم الشك فذكر اللازم وأُريد اللزوم ، وكذا الأمة ، إِلا أَن حرجهم الشك في أَنه من الله D وعطف لا يكن إِلخ ، وهو طلب على قوله أنزل إِليك وهو إِخبار لأَن معنى أنزل إِليك تيقن بإِنزاله فهو أَمر معنى ، أَو معنى لا يكن إِلخ ، لا ينبغي أَن يكون حرج فهو إِخبار معنى ، أَو يقدر : إِذا رسخ في قلبك فضل رسوخ نزوله إِليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، ويجوز تقدير مبلغه فلا يكن إِلخ ، وقدم فلا يكن في صدرك حرج منه على قوله ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى ﴾ أَى تذكير ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ مع أَن لتنذر به إِلخ علة لأنزل متعلق به تنبيها على أَن الأَليق إِزالة الحرج عن الإنذار والإِعراض عن تكذيبهم إِياه لأَنه من الله فالله ناصره فكيف يخاف .

١٬٠٩٤ / ٦٬٠٩٣