14
الجزء ٣ · صفحة ١٠٦﴿ قَالَ أنْظِرْنِى ﴾ أَمهلنى ﴿ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أى يوم يبعث الناس ، علم بالفهم أَو بوحى من الله D إِلى الملائكة أَن آدم وحواءَ ينسلان ، وطلب الإِنظار إِلى يوم البعث ليصرف جهده إِلى إِغواء بنى آدم ليفسدوا ، أَى كما فسدت بأَبيهم وبهم فى ضمنه ، ودوا لو تكفرون كما كفروا ، وأَيضا خص يوم البعث لئلا يبقى منهم أَحد إِلا طلبه بالإِغواءِ ، ولئلا يذوق مرارة الموت فلا يموت لأَنه لا موت بعد البعث ، فيكون حيا أَبدا فأَجابه الله بالإِنظار لكن إلى ما قبل وقت البعث ﴿ قَالَ ﴾ الله جل وعلا ﴿ إِنّكَ منَ الْمُنْظَرينَ ﴾ إلى يوم الوقت المعلوم ، كما فى آيات أخر ، وهو وقت نفخة الموت ، ويجوز أَن يكون قد طلب إِنظار العقوبة أَى لا تعاقبنى قبل البعث ، بل فى يوم البعث فيكون قد أَجاب الله داعءه كله لا بعضه فقط كما فى التأويل الأول ، وفى إِنظاره ابتلاء للناس فيشقى الشقى بمتابعته ويسعد السعيد بمخالفته ، ويبعد أَن يكون الإِنظار فى قوله إِنك من المنظرين الإِنظار إِلى وقت البعث لكن يموت يوم البعث فيبعث الله الخلق عقب موته فيبعد دخوله فى قوله D إِلا من شاء الله ، ويروى أَنه إِذا طلعت الشمس من مغربها سجد لله وقال : رب مرنى أَن أَسجد لآدم ، فيدوم فى سجوده ، وقوله ذلك حتى تخرج الدابة فتقتله ، والله أَعلم بصحة ذلك . وفى آية أُخرى : مالك أن لا تكون ، إِلخ ، وفى أُخرى أَن تسجد ، فقد جمع مخالفة الأَمر ومفارقة الجماعة والتكبر وتحقير آدم ، ووبخ فى الأىِ الثلاث لا فى البقرة والإِسراء والكهف وطه ، وطلب الإِنظار هنا ، وأَجيب إِليه زيادة فى عذابه إِذ قد يجاب الكافر إِلى دائه ، فقال ما ذكر الله D عنه بقوله :
﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ الفاء لعطف أقسم على إِنك من المنتظرين ، ومحط التفريع هو قوله تعالى ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ ومعنى التفريع أَنه بنى على إِنظاره قعوده وإِتيانه المذكورين ، وانتفاءَ شكر الأَكثر ، والباء للقسم كما فى قوله تعالى ﴿ فبعزتك لأَغوينهم ﴾ إِلخ ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، ولو جعلناها سببية لم نجد لها متعلقا إِذ لام لأَقعدن مانعة من تقديم المعمول فتحتاج إِلى تقدير متعلق مثل فبما أَغويتنى أَجتهد فى إِغوائهم ، وهو دون تقدير فعل القسم ، وأَيضا لأَقعدن جواب قسم ولا بد ، فالقسم بهذه الباء أَولى من تقدير قسم آخر ، وما مصدرية أَى باغوائك إِياى ، أٌسم مرة بفعل الله وهو إِغواؤُه D إِياه لعنه الله ، وهو خلق الغواية فيهِ ، وأَصل اللفظ الفساد ، يقال غوى الفصيل بمعنى فسد بطنه باللبن وهى بمعنى الضلال ، ومرة بصفة الله وهى عزته تعالى ، والمعتزلة يؤولون الإِغواءَ بإِحداث سبب الغى ، أَو بالنسب إِلى الغواية ، وهو من معانى أَفعل كما ذكرته فى شرح لامية ابن مالك ، أَى نسبتنى إِلى الغى ، ويرده ضعف هذا المعنى وكونه خلاف الأصل ، كما أَن تفسيره إِحداث سبب الغى خلاف الأَصل ، وبأَن ذلك كلام إِبليس غير حجة ، ودعاهم إِلى ذلك الفرار من أَن يكون الله خالقا للأَفعال ولا سيما أَفعال المعصية ، وقد أقر إِبليس لعنه الله D خلق المعصية ثم دعاهم إِلى نفى ذلك ، وهذا كما قال قائل :