تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

12

الجزء ٣ · صفحة ١٠٣

﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ فى آية أُخرى ما منعك أَن تسجد ، وفى أُخرى : يا إِبليس مالك أَن لا تكون مع الساجدين ، ولم يذكر التوبيخ فى سورة البقرة والإِسراءِ والكهف وطه ، والله أَعلم بحكمة ذلك كله ، ولا ندرى ، ولعله لما جمع - لعنة الله - معاصى فى معصية واحدة ذكر فى آية ما لم يذكر فى الأُخرى إِيذانا بأَن كل واحدة كافية فى التوبيخ والضلال ، ولا صلة لتأكيد النفى الذى أَفاده لفظ المنع ، أَى ما منعك هذا المنع القوى الذى جسرت به من أَن تسجد ، أَو ما منعك السجود بالنصب ، ويدل لزيادتها إِسقاطها فى سورة ( ص ) ما منعك أَن تسجد لما خلقت بيدى ، ولا يتم ما قيل أَنها لتأكيد ما دخلت عليه على معنى ما منعك أَن تحقق السجود لأَنها وضعت للنفى فكيف تزاد لتحقيق ثبوت فعل متصل بها ، وكذا البحث فى لئلا يعلم أَهل الكتاب ، بل تأَولها تأَويلا آخر ، وفيها دلالة على أَن الموبخ عليه ترك السجود لإِيراد السجود فى صورة ترك السجود ، ويجوز إِبقاؤها على ظاهرها على تضمين منعك معنى اضطرك ، وتقدير إِلى ، أَو ما اضطرك إِلى أَن لا تسجد ، وما أَوقعك فى أَن لا تسجد ، والقول بواسطة ملك ، أَو خلق كلاما كيف شاءَ ، وخطاب الكافر غير ممنوع ﴿ إِذْ ﴾ يتعلق بمنع أَو تسجد ﴿ أَمَرْتُكَ ﴾ ليس هذا دليلا على أَن الأَمر المجرد للوجوب لأَنه يجوز أَن تقول لمن أَمرته أَمر ندب ولم يفعله ما منعك من فعله ، وإِنما الدليل على أَن الأَمر المجرد للوجوب ترتب العقاب على عدم السجود بعد أَمر به ، إِذ لو لم يكن للوجوب لم يعاقبه إِلا إِن قال إِن لم تسجد أُعاقبك ، أَو فرضت عليك السجود أَو نحو ذلك ، وفى الآية إِذًا الأَمر للفور إِذ لعنه فى الحال ، وقيل : الفور من قوله تعالى فقعوا له ساجدين ، وفيه أَنه قد لا يسلم أَن فاءَ الجواب تفيد الترتيب والاتصال مطلقا ، ويجاب أَنه تفيده بتوسط اسم الشرط الصرفى ، وقيل : الاستدلال إِنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأَمر المطلق لأَنه قال : إِذ أَمرتك ولم يقل : إِذا قلت فقعوا ، وأبسط فى شرحى على شرح مختصر العدل من أُصول الفقه ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ جواب معنوى ، واللفظى أَن يقول - لعنه الله - : منعنى كونى خيرا منه ونحو ذلك ، وكونه خيرا منه ملزوم والامتناع لازم ويتصور العكس بمعنى أَنه إِذا امتنع لزم أَنه خير على زعمه إِذ لولا أَنه خير فى زعمه لم يمتنع ، فاستغنى باللازم أَو الملزوم عن الجواب اللفظى ، وذلك أَن قوله أَنا خير منه يصلح جوابا لو قال الله D : أَيكما خير لكنه لعنه الله أَجاب بالأسلوب الأَحمق ضد ما يجيب الإِنسان آخر بالأُسلوب الحكيم ، ولا أَحكم كالله سبحانه ، وفى جوابه إِشارة إِلى أَن منْ شأْنه الخلق من النار لا يحسن السجود لمن ليس منها فكيف يؤمر ، والمعتزلة إخوانه فى التحسين والتقبيح المقلين فى التكليف ﴿ خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ تعليل للخيرية معنوى واللفظى أَن يقول - لعنه الله - إِنك خلقتنى من نار وخلقته من طين ، والنار خير من الطين لأَنها مضيئة ، ولقد أَخطأَ - والعياذ بالله منه - فإِن فيها طيشا وإِفسادا وإِحراقا وتفريقا وإِهلاكا وترفعا واضطرابا ، وفى الطين رزانة وثباتا وإِنباتا لمنافع الحيوان ، ولا شئَ ينتفع به لتوسط إِحراق النار إِلا وأَصله من الأَرض ، فبعدم خفة آدم وطيشه وثبوته ورزانته وتواضعه توصل للتوبة الموصلة للسعادة ، وبطيش إِبليس لعنه الله وخفته توصل إِلى الشقاوة فلا يصح له مدح النار بالخفة والترفع ، وقد مدحها الله - أَى الأَرض - جل وعلا إِذ امتنَّ بكونها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأَحياءِ والأَموات ومعادن وأَنهارا ، وذكر النار متاعا للمقوين ، إِلا أَنها تتقد بنبات الأَرض وحجارتها ، وذكرها تذكرة لنار الآخرة ، وما ذكرها فى غير هذا إِلا للعقاب .

١٬١٠٣ / ٦٬٠٩٣