5
الجزء ٣ · صفحة ٩٧﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ ﴾ أَي دعاؤهم الله أَو تضرعهم إِليه ، حكى الخليل عن العرب : اللهم أَشركنا في صالح دعوى المسلمين ، أَي دعائهم ، قال الله تعالى ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾ وقال الله تعالى : ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ وتقول : إِن العرب دعواهم يا لكعب ، أَي استغاثتهم ، ففي الآية أَنهم يستغيثون من الله بتوسيط الأَصنام بينهم وبين الله عزّ وجلّ ، أَو دعواهم ادعاؤهم كما هو المشهور ، أو هو في ذلك كله بالمعنى المصدري لأَنه خبر لكان واسمها مصدر من قوله ﴿ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَنْ قَالُوا ﴾ طمعاً في الخلاص ﴿ إِنَّا كنَّا ظَالِمِينَ ﴾ لا كما قيل أَنه في الوجه الأَخير بمعنى مفعول ، والمعنى ما كان ادعاؤهم إِلا اعترافهم بأَنهم ظالمون في ديانتهم ، وهو اعتراف تحسر حين لا ينفع ، وفي تفسيره بالدعاء ما يشبه تأْكيد الذم بما يشبه المدح من عكس قوله « ولا عيب فيهم غير أَن سيوفهم » البيت ، إِذ جعل اعترافهم بالظلم دعاءً ، وإِنما قلت دعواهم خبر مقدم لأَن المصدر الذي ينسبك من الفعل وحرف المصدر أَعرف إِذا كان بعد التأْوِيل به مضاف لمعرفة وهو بمنزلة العلم وبمنزلة الضمير ، والضمير لا يوصف لكونه اسماً أَولى من كونه خبر ، ويدل لذلك قوله فما كان ، ولو كان دعوى اسماً لكان الأَصل أَن يقال كانت باتاء ولو حيث جاز التذكير كعدم تحقق التأنيث وكالفصل ، وقد ورد في غير موضع من القرآن نصب المتقدم وهو أَليق بمقام الحصر كما هنا ، وأَجاز بعض كون دعوى اسماً وأن قالوا خبرا ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ عطف على قوله كتاب أُنزل إِليك عطف إِنشاء على إِخبار ، وإِنما كان لنسأَلن إِنشاءً باعتبار القسم لأَن المعنى فوالله لنسأَلن ، أَو على قوله لا يكن في صدرك إِلخ عطف إِنشاءٍ على إنشاءٍ وهذا أَولى ، كأَنه قيل لا تضق لأَنا سنسأَلهم ، والوجهان على أَن الأَصل أرسلت بالبناء للمفعول وفتح التاء وحذف التاء وناب الجار والمجرور ، ويجوز أَن يكون النائب ضميراً مستترا وعائدا إِلى رسول الله A ، ولم يبرز الضمير مع جريان الصلة على غير من هي له لظهور المعنى . ويجوز العطف على جاءَها بأسنا أَو قالوا ، وكان العطف بالفاء لترتيب الأُمور الأَخروية على الدنيوية ، أَو رابطة لجواب شرط مقدر ، أَي إِذا كان ذلك فلنسأَلن ، وقدر بعضهم لنحشرنهم فلنسأَلن الذين ، والأَصل فلنسأَلنهم ووضع الظاهر موضع المضمر ، وهذا في عذاب الآخرة ، وما قبله في الدنيا ، والذين واقع على هذه الأمة ، أَي ولنسأَلن الأُمة الذين أَرسلناك إِليهم هل اتبعوك ، أَو على الأُمم أَي ولنسألن الأُمم الذين أَرسلنا إِليهم المرسلين هل اتبعوهم ، وهذا أَهم فائدة وأَنسب بقوله : ﴿ وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ ﴾ هل بلغوا إِلى أممهم ، أَما سؤال الأُمم فسؤال توبيخ وتقريع لهم على كفرهم ، وأَما قوله تعالى « ولا يسأَل عن ذنوبهم المجرمون » و « يومئذ لا يسأَل عن ذنبه إِنس ولا جان » فسؤال استعلام نفاه الله لعلمه بهم وبذنوبهم ، أَو إِثبات السؤال التوبيخي في وقت ونفيه في وقت آخر ، ونفيه في وقت العقاب وإِثباته في وقت قبل ذلك ، وقيل لا يسأَلون عن الأَعمال بل يسأَلون عما دعاهم إِليها ، وقيل معناه لا يعاقب بالذنب غير فاعله ، وقيل الذين أُرسل إِليهم الأَنبياء والمرسلون الملائكة : هل بلغتم الأَنبياء ، وقيل : السؤال المنفي السؤال عن الذنب والمثبت مطلق السؤال عن التبليغ ، ويعارض بأَن عدم قبوله الرسالة ذنب ، ويجاب : لأَن السؤال هل بلغوكم أَو ما الصارف لكم عن القبول غير نفس السؤال ، هل أَذنبتم وما ذنبكم وكم هو؟ ولما اعترفوا بالظلم سئلوا عن سبب هذا الظلم ، وسؤال تقريع لأُممهم ، وزيادة خزي لهم بكونهم يفتضحون بالشهادة بالرسل بالتبليغ ، وإِظهار لشرفهم بالجد في التبليغ ، وإِكرام ، ويناسب ما مر في الآية من سؤال الأُمم هل قبلوا قوله تعالى « يوم يجمع الله الرسل » الآية .