تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

12

الجزء ٣ · صفحة ٣١٥

﴿ إِذْ ﴾ متعلق بيثبت ، أَو بدل من البدل ، أَو بدل ثالث على القول بجواز تعدد البدل أَو الإِبدال من البدل ، ويقدر اذكر إِذ ، وإِذا علق بيثبت تعين عود الهاء إِلى الربط ﴿ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ ﴾ الذين حضروا بدراً ﴿ أَنِّى مَعَكُمْ ﴾ فى تثبيت المسلمين وإِعانتهم ، والتزلزل بالكفار وترهيبهم ، ومصدر الاستقرار مفعول يوحى ، أَى يوحى ربك إِلى الملائكة ثبوته معكم ﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بإِلهام أَن الله ينصرهم ، وبالظهور فى جهة المسلمين فى صور الرجال يأَنس بكم المؤمنون ، ويرعب منكم الكافرون ، وبالكلام بأَن يمشوا أَمام الصف ، ويقولوا أَبشروا بنصر الله ، وبأَن يقولوا ذلك فى الصف ، ويقول القائل منهم سمعت المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لننكشفن . وفسر قوله : إِنى معكم ، أَو قوله : ثبتوا بقوله ﴿ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ الخوف من المسلمين ، ولا دليل فى ذلك على أَن الملائكة قاتلوا يوم بدر ، بل الدليل فى قوله ﴿ فَاضْرِبُوا ﴾ أَيها المؤمنون ، خطاب من الملائكة ذكره الله تعالى لنا ﴿ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ لأَن كون الله مع الملائكة لا يتعين أَنه معهم فى قتال يكون منهم لجواز أَن يكون الخطاب فى قوله أَنى معكم للمؤمنين ، فيكون مقتضى الظاهر : إِذ يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى مع المؤمنين فثبتوهم سأُلقى إِلخ . . .

ولما صرف الكلام لخطاب المؤمنين أَظهر الذين آمنوا فى قوله فثبتوا الذين آمنوا ، وعلى هذا التفسير يكون قوله تعالى : فاضربوا خطاباً للملائكة أَيضاً كالتفسير الأَول ، لا للمؤمنين فيبعد دعوى أَنه خطاب للمؤمنين ، وأَن المعنى : لقنوا أَيها الملائكة المؤمنين أَنى أَلقى الرعب ، وأَن يضربوا فوق الأَعناق إِلخ . . فيكون الضاربون المؤمنين لا الملائكة . ولا تتقوى هذه الدعوى بقوله : معكم ، من حيث إِن المعية للخائف ، ولا خوف للملائكة ، لأَن المعية لا تختص بالخوف ، ولا تترجح فيه ، بل هى لمطلق الإِعانة ، وكذا دعوى أَنه خاطب الله من شاءَ لأَنه لا غ ائب عنه ، وحق أَنه لا غائب عنه ، ولكن لا تفسر الآية به ، وفوق إِما مفعول لأَضرب ومعناه الرأْس ، أَو ما اتصل من الأَعناق بالرأس وهو أَعلاها ، على أَنه يلزم الظرفية ، وإِما ظرف ، أَى أَوقعو الضرب فوق الأَعناق ، والذى فوقها هو الرءوس ، أَو يقدر اضربوهم فوق الأَعناق وهو أَعلى العنق . والبنان رءُوس الأَصابع فى اليد والرجل ، أَو المفاصل والواحد بنانة ، وخصها بعض باليد ، وقيل : نفس الأَصابع ، وإِنها سميت لأَن بها إِصلاح الأَحوال من أَبن بالمقام وبن به أَى أَقام ، ولذلك خص بالذكر فى قوله D ﴿ بلى قادرين على أَن نسوى بنانه ﴾ وخصت هنا لأَن بها القتل . وقيل : المراد هنا باقى الأَطراف ، قابل بها فوق الأَعناق . فعن ابن عباس أَنها الجسد كله فى لغة هذيل ، والآية توجب أَن لا يضرب فى الأَدب والحد والنكال والتعزير على القدمين ، لأَن الله D أَمر بضرب المشركين على البنان لأَنه أَسرع فى القتل ، والمضروب للأَدب أَو نحوه لا يقصد إِلى قتله ، والبنان أَصابع القدمين واليدين ، وهب أَنها المفاصل ففى القدمين اجتمعت مفاصل البدن كله ، وكذا إِن قلنا أَنها الأَطراف فأَصابع القدمين مثلا من الأَطراف ، والقول بأَن البنان الجسد كله غير مقبول ، وإِن قيل أَنه لغة هذيل فلسنا نفسر القرآن بلغتهم ما وجدنا لغ ة قريش ، وقد قال الله تعالى

١٬٣١٥ / ٦٬٠٩٣