17
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٢﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ أَى فأَنتم لم تقتلوهم ولم تأْسروهم ﴿ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ﴾ وأَسرهم ﴿ وَمَا رميْتَ ﴾ ما أَوصلت التراب إِلى عيونهم وأَفواههم وأُنوفهم ﴿ إِذ رَمَيْت ﴾ إِذ أَلقيت التراب إِلى جهتهم ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ أَوصله إِليها ، وحاصله : ما رميت به تلك الأَعضاء إِذ رميته إِليها ، أَو إِذا أَردت رميها به ولكن الله رماها به . أَو ما رميت بالرعب إِذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب فى قلوبهم ويرجع هذا الذى ذكرته أَولا إِلى قولنا : ما أَثر رميك إِذ رميت ولكن الله أَثره ، وأَفعال العباد بخلقه تعالى ، وكسبها لها ومباشرتها ، فهو رمى كسباً والله تعالى رمى خلقاً وتأْثيراً ، ولو شاءَ الله لم يصلهم الرمى ، أَو يصلهم ولا يؤثر فيهم ، وجميع أَفعال العباد بخلق الله تعالى وكسبهم ، وللعبد قدرة مؤثرة يخلقها الله إِن شاءَ ، وإِن شاءَ أَبطلها فلم تؤثر ، والمشهور أَنه لا أَثر له ، أَى لا يؤثر إِلا بخلق الله D تأْثيره ، ومشهور الأَشعرية أَن له قدرة غير مؤثرة ، أَى لا تؤثر بذاتها فالخلاف لفظى ، أَو لم يسمعوا ما للعبد تأثيراً ، وزعمت المعتزلة أَن له قدرة يفعل بها ما لا يشاء الله D ، وقالت المجبرة : لا قدرة للعبد أَصلا ، ولتفسير الرمى المنفى والمثبت بما مر كان نظر القرآن كما هو ، وإِلا فمناسب فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ، وما رميت ولكن الله رمى ، ومناسب ﴿ وما رميت إِذ رميت ولكن الله رمى ﴾ فلم تقتلوهم إِذ عالجتم قتلهم وظهر لكم أَنكم قتلتموهم ولكن الله قتله . ولا يناسب مقام قصة بدر أَن يقال هذا فى طعنه A يوم أحد أَبى بن خلف ، فإِن ظاهر الطعن غير الرمى ، وإِنما قيل هذا فى رميه بسهم نحو الحصن يوم حنين ، وإِصابته ابن أَبى الحقيق فى فراشه ، لأَن فى ذلك دخول كلام أَجنبى فى أَثناء القصة ، ولكن هذا حديث ضعيف ، والصحيح أَنه مات بكسره A ضلعه ، أَو بخدشه له . أَتى أَبى خلف إِلى النبى A بعظم رميم ، فقال : يا محمد من يحيى هذا؟ فقال A : « يحييه الذى يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار » وأَسر يوم بدر فلما افتدى قال لرسول الله A : إِن عندى فرساً أَعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أَقتلك عليها . . فقال A : « بل أَنا أَقتلك إِن شاءَ الله » ودنا يوم أَحد من رسول الله A فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه ، فقال A : « تأَخروا . . » فرماه بحربة فكسر ضلعاً من أَضلاعه ، وقيل خدشه بها ، فكان يخور ، أَى يصوت كثور ، أَو يضعف ، فحمل فقيل له : لا بأس عليك .