16
الجزء ٣ · صفحة ٣٢١﴿ إِنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ﴾ ثم كان يوم حنين فقال الله تعالى ﴿ ثم وليتم مدبرين ، ثم يتوب الله على من يشاء ﴾ ، وعن أَبى سعيد الخدرى : الآية فى أَهل بدر خاصة لأَنه كان معهم النبى A ، ولم تكن لهم فئة يتحيزون إِليها دون النبى A ولو انحازوا لانحازوا إِلى المشركين ، ولأَنها أَول غزوة غزاها رسول الله A بنفسه والمؤمنون معه . . وأَما فى غير بدر فالمؤمنون فئة . فالفرار غير كبيرة ، وبه قال الحسن وقتادة والضحاك ، وذكر الله عقاب من فر لغير ما جاز الفر له فى قوله ﴿ فَقَدْ بَاءَ ﴾ رجع فى توليته تلك وفى جميع أَحواله إِن لم يرجع ولم يتب ﴿ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ﴾ مع غضب منه ، وهو قضاؤه الأَزلى بشقوته أَو عذابه الأخروى ﴿ وَمَأْوَاهُ ﴾ مرجعه ﴿ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هى ، وقيل : الوعيد خاص بأَهل البيت والحاضرين معه A . وقيل : بأَهل بدر لأَنه لا فئة لهم ينحازون إِليها ، فالوعيد لمن فر فيه ، وأَما فى غير بدر ممن خاف الموت بلا فائدة لضعفه وكثرة المشركين فله الفرار ، وقيل : الحكم خاص بمن ذكر ، وبجيش فيه النبى A . ووقعة بدر أَول جهاد ولو لم يثبتوا لزم مفاسد عظيمة ، وعن محمد بن الحسن أَن المسلمين إِذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار ، والظاهر أَنه لا يجوز أَصلا مع هذا العدد ولو كان العدو أَضعافهم أَضعافاً كثيرة لأَنهم لا يغلبون من قلة كما فى الحديث ، والصحيح تحريم الفرار إِلى فئة بعيدة لم تستعد معهم وتحريم فرار الواحد أَو من واحد من اثنين ، واستدل بجوازه إِذا كان يقتل بلا فائدة بما قال عمر بن الخطاب فى أَبى عبيدة رضى الله عنه ، لما مات : لو انحاز إِلى كنت له فئة ، كما روى أَنه انهزم رجل من القادسية فأَتى المدينة فقال لعمر رضى الله : يا أَمير المؤمنين هلكت ، فررت من الزحف ، فقال : أَنا فئتك . . وهذا الحديث السابق تسلية لا إِباحة للفرار إِلى غير المستعدين معه . وإِلا لم يوجد فار من الزحف إِلا من فر ونوى أَلا يقاتل بعد ، روى أَنه A رماهم بكف من حصباءَ بأَمر جبريل عن الله D ، وقال : شاهت الوجوه ، انهزموا ، فقتلهم المسلمون وأسروهم ، فكانوا يقولون : قتلت وأٍرت ، فقال الله سبحانه وتعالى : إِن افتخرتم بقتلهم وأَسرهم .