81
الجزء ٣ · صفحة ٤٩٨قال A : « يا أَيها الناس ابكوا فإِن لم تستطيعوا أَن تبكوا فتباكوا ، فإِن أَهل النار يبكون فى النار حتى تسيل دموعهم فى وجوههم كأَنها جداول حتى تنقطع الدموع ، فتسيل الدماءُ فتقرح العيون ، فلو أَن سفنا أُجريت فيها لجرت » ﴿ جَزَاءً ﴾ مصدر مؤكد للجملة قبله أَى يجازيهم جزاءً أَو مفعول من أَجله أَى حكمنا عليهم بالضحك القليل والبكاءِ الكثير للجزاءِ ، ومحط القليل قوله وليبكوا ولو فسرنا ذلك بالكناية ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أَى بما كانوا يكسبون أَى كونهم يكسبون ، وفرع على فرحهم بالتخلف وكراهة الجهاد وقول لا تنفروا والوعيد على ذلك قوله :
﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ﴾ ردك من تبوك ، والمصدر الرجع لأَنه متعد ورجع اللازم مصدره الرجوع ، وقد يكون الرجع مصدراً له أَيضاً ، وحمل بعض عليه قوله ذات الرجع ، والواضح إِبقاؤه على أَصله أَى والسماء ذات الرجع لكذا ، واختار المتعدى فى الآية ليكون فعلا لله D لأَن ذلك السفر فيه خطر ، فالمناسب أَن يعبر بما يفيد التأْييد الإلهى كما عبر بإِن لا بإِذا للشك فى السلامة تعالى الله عن الشك وصفات النقص ﴿ اللهُ إِلى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ﴾ يرجع إِليهم كلهم إِلا من مات أَو غاب وكلهم منافقون ، ولكن خص طائفة تريد الخروج معه لغزوة بعد تبوك إِن أَرادت ، وأَلغى من لا يطلب الخروج بعد ففرض الكلام فيمن يطلب الخروج فلا يقبل كما قال ﴿ فقل لمن تخرجوا معى ﴾ إِلخ ، ويجوز أَن تكون من للبيان والهاءُ للمنافقين أَو المتخلفين ، أَى طائفة هم المنافقون أَو هم المتخلفون ، ويجوز إِبقاؤُها على التبعيض فيكون البعض الآخر من خرج معه إِلى تبوك من المنافقين ومن مات أَو غاب أَو تاب ، ويجوز رد الضمير إِلى المتخلفين المعذورين وغير المعذورين على الاستخدام بقصد غير المعذورين فقط أَو بلا استخدام فإِنه من عذر لعذر صحيح لكنه فرح بالتخلف وكره الجهاد وقال لا تنفروا ، ويكون من المنافقين فهم طائفة ، والتنكير فى ذلك كله للتحقير . ﴿ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ إِلى غزوة بعد تبوك ، والفاء لمطلق التفريع لا للاتصال . ﴿ فَقُل ﴾ لهم ﴿ لَّنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَداً ﴾ إِلى غزوة ولو بلا قتال ، كحمل المؤنة والرجال والمنافع ﴿ وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا ﴾ ولو فى المدينة بلا خروج أَو هذا تأكيد للأَول ، واللفظ خبر والمعنى النهى ، وذلك تأكيد أَى لا تخرجوا معى ولا تقاتلوا معى ، فإِن الله D خذلهم وأَبعدهم عن رتبة الجهاد ، والخروج له والصحبة معه A ، وعن ديوان الغزاة وعن عددهم من الجند ، واستدل بعض على إِرادة النهى بقوله : فإِن استأْذنوك للخروج فإِنه لا يلائم الإِخبار بأَنهم لن يخرجوا مع أَنهم يريدون الخروج ، وفيه أَنه لا مانع من الإِخبار بأَنهم يريدونه ولا يكون لأَنه لا يقبله منهم فلا يكون ، وعلل ذلك بقوله : ﴿ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فى الوقت الأَول وقت الخروج إِلى تبوك والأَصل فى المرة الأُولى ، وإِنما يكون وقت غزوة تبوك أَولاً بالنسبة لما بعده ، وقيل : نصب على أَن مفعول مطلق ، أَى قعدة سابقة وأَصل مرة واحدة من المرور ثم استعمل ظرف زمان ولم يؤنث اسم التفضيل لأَنه أُضيف لمنكر ﴿ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ المتأَهلين للتخلف عن الغزو لنقصهم كالصبيان والبله والمجانين والمرضى والعمى والعرج والمقعدين والهرمى والنساء .