تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

49

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٥

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِى ﴾ فى التخلف عن الخروج ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّى ﴾ لعدم الإِذن لى فإِنى إِن لم تأْذن لى وتخلفت كنت مفاتنا لك بالتخلف ، أَو لا تكلفنى بالخروج فى هذه الشدة ، أَو أَراد فتنة الدين للنبى A وهو معصية الله بمخالفتك ، لأَنهم قد يراعون أَمر الله فى بعض الأَحيان ، أو ذلك من لسانه لا من قلبه ، وفى قوله تلويح بأَنه قاعد أُذن له أَو لم يأْذن ، إِلا أَنه أَحب أَن يكون قعوده بإِذن ، أَو الفتنة ضياع المال والعيال ، إِذ لا كافل لهما بعدى ، أَو الفتنة ببنات الروم فتنة المعصية أَو فتنة القلب بأَن يزنى بهن قبل القسمة ، وإِسناد الفتنة فى ذلك كله إِلى النبى A لعلاقة السببية ، أَى لا تكن سببا لوقوعى فى الفتنة بعدم الإِذن ، والمراد فى ذلك كله الجد بن قيس ، وروى أَن رسول الله A قال له : « يا أَبا وهيب هل كل فى حلاوة بنى الأَصفر أَو فى جلاد بنى الأَصفر ، أَى جهادهم يعنى الروم ، تتخذون منهم سرايا بيضاً لعسا لم تر مثلهن » ، فقال : ائْذن لى فى القعود ولا تفتنى ببنات الأَصفر ، قد علمت الأَنصار أَنى رجل مفرط بالتعلق بالنساءِ فأَخشى أَن أَفتن ببنات الأَصفر بالزنا بهن قبل القسمة . أَو خرج عن محل الكلام ، فقال إِنهن يفتننى عن الكسب والجهاد ، فإِن هذا قبل الخروج والقسمة لا يتمر اعتذار ، أَو الأَصفر رجل من الحبشة ملك الروم ، فولد له بنات لعس واللعساءُ التى شفتها إِلى السواد ، وذلك ملاحة ، أَو وقع جيش من الحبشة على نساءِ الروم فولدن أَولاد أَصفر ابن روم بن عيص بن إِسحاق ، ورد الله عليه قوله ﴿ أَلاَ فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ﴾ فتنة الدين أَو مفاتنة الرسول سواءٌ أَراد الجد النساءَ أَو غيرهن مما مر ، أَو فتنة التخلف أَو إِظهار النفاق ، ذكر الفتنة فقابله الله بذكرها سواءً كانت التى أَراد أَم غيرها ، والله عالم بمراده ، وأَلا تنبيه وتأْكيد لكونه وقع فى الفتنة التى فر منها ، مما مرجعه إِلى الدين أَو فى الفتنة الكاملة وهى ما مرجعه إِلى الدين وأَل للكمال ومراده غيرها أَوعد الله D عليه ما وعده فتنة كلا فتنة بالنسبة إِلى فتنة الدين إِذ أَراد هو غيرها ، والتقديم للحصر وضمير الجمع له ولأَتباعه أَو للمنافقين مطلقا ذكرهم لذرك واحد منهم ، وعلى هذا فالفتنة فتنة الدين بأَى وجه كانت مثل أَن يقال سقطوا بالتخلف ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيَطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ بالكافرين المصرين لا محيد لأَحدهم عنها . والعطف على سقطوا عطف اسمية على فعلية ، فينسحب على المعطوفة ما جرى على المعطوف عيها من التنبيه والتأْكيد ، ففى المعطوفة تأْكيد بأِلا وبأَل واللام والجملة الاسمية مع ذكر الإِحاطة ففيها ما ليس فى قولك لهم ﴿ جهنم ﴾ ولا سيما أَن قلنا محيطة بهم من الآن لا حائطة أَسبابها بهم فإِنه آكد من أَن يقال محيطة يوم القيامة ، فيجوز أَن يراد بجهنم أَسبابها وملزوماتها تسمية باسم المسبب اللازم باسم السبب الملزوم فيكون اسم الفاعل للحال ، كما قيل هو حقيقة .

١٬٤٥٥ / ٦٬٠٩٣