111
الجزء ٤ · صفحة ٣٤، وفى صحيح البخارى ومسلم : « إِن المجاهد يرجع بما نال من غنيمة وأَجر » ، وظاهره رجوعه بالأَجر التام ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ مصدران مؤكدان لغيرهما لأَن معنى الشراءِ بأَن لهم الجنة وعد لهم بها أَى وعد الله ذلك على نفسه وعدا وحقه حقاً ، وأَو حق أَى ثبت ذلك حقاً كقولك أَنت ابنى حقاً ، ويجوز كون حقاً نعت وعداً والأَول آكد وكون عليه نعتاً لوعدا أَو حالا من حقاً . وزعم بعض المحققين أَن وعدا منصوب مضمون اشترى من الوعد ، وفيه أَن هذا المضمون هو الذى دل على تعدى الناصب لأَن الآية ليست من باب قمت وقوفاً ﴿ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ﴾ فالوعد بالجنة لهذه الأمة مذكور فى كتب الله السابقة ﴿ وَالْقُرْآنِ ﴾ من غير هذه الآية ، من كل آية ذكر فيها ثواب الجهاد أو أُشير فيها إِليه ، ويجوز دخول هذه الآية كشاة الأَربعين أَثرت فى نفسها وفى غيرها ، وهو متعلق بحقاً أَو بوعداً ، أَو نعت لأَحدهما ، وإِن علق باشترى شملت الآية أَمر أَهل التوراة والإِنجيل بالقتال الثواب لهم ، وشملت الأُمة ، قيل فى الآية دليل على أَن الأَمر بالجهاد مشروع فى جميع الشرائِع ، وليس كذلك فإِن كثيراً من الأَنبياءِ لم يؤمر بالقتال كعيسى عليه السلام ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ﴾ استفهام إِنكار أَى لا أَوفى به منه ، والوفاءُ بالعهد هو الأَصل طبعاً وشرعاً ولا سيما من الأَكابر ، فكيف من الخالق ، وهذا فى غاية التأْكيد للوعد ، وزاد التأْكيد بأَن سماه عهدا فقد أكد الشراءَ بكونه من الله الغنى الذى لا يحتاج ، وبوعدا وبحقاً وبعلى وبذكره فى الكتب ، وبمن أَوفى وبتسميته عهداً ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ إِذا كان الأَمر كذلك ، فاستبشروا أَى افرحوا به لأَن لكم به النجاة من النار دار الغضب ، والفوز بالجنة دار الرضى وجوار الله ، والاستبشار إِظهار الفرح على البشرة أَى الجلدة ، جلدة الوجه ، والسين والتاء للتأكيد أَو للمطاوعة ، بمعنى عالجوا الفرح فيحصل ، وأَولى من هذا أَن يقال لموافقة ما ليستا فيه كأَنه قيل أَبشروا وليس هذا مطاوعة ، ولعل من عبر بالمطاوعة أَارد بها الموافقة لا المطاوعة المعهودة فى النحو والصرف ، ثم إِن الاستبشار إِما أَن يكون مما لا يكسب فالأَمر به مجاز عن وقوعه بعد العلم ، وإِما أَن يراد به ما يكسب بنطق بتشديد الوجه إِلى الجوانب وبسطه ، فهو أضمر على ظاهر ، وفى استبشروا التفات من الغيبة إِلى الخطاب ، ومقتضى الظاهر فليستبشروا بشراءِ الله ، ولكن المراد أبشروا بأَن فعلكم الذى هو البيع أَصاب المقصود الأَعظم وهو الجنة ، فليرغب الراغب فى مثل ذلك الفعل ، والرابط ضمير به وهو فى الأَصل مفعلو مطلق أَى بايعتموه ، والمراد بايعتم الله به وليست الآية التفاتاً إِلى الخطاب من الغيبة ، لأَن المراد بالمؤمنين فى قوله ﴿ إِن الله اشترى ﴾ إِلخ أَنه على طريق العموم ، ولو صدق بالمخاطبين فى قوله استبشروا .