تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

118

الجزء ٤ · صفحة ٤٣

فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا فيه إِلا خيراً ، ولما سمع مالك غسان بهجرنا أرسل إِلى كتاباً : أَلحق بنا نواسك لم يخلفك الله بدار مضيعة . فقلت : هذه بلية أُخرى ، فأَلقيت كتابه فى التنور ، وقلت : يا رسول الله ما كنت أَيسر قط منى حين سافرت وإِنى ذو لسان واحتجاج ، لكن إِن كذبت أَخبرك الله وإِن صدقت رجوت العفو . وقد اعتذر ثمانون رجلا منافقون ففضحهم الله D وكنت أَشبه القوم وأَجلدهم ، أَشهد الصلاة مع رسول الله A وأَطوف فى الأَسواق ولا يكلمنى أَحد ، وأُسلم على رسول الله A فى مجلسه بعد الصلاة ، وأَقول فى نفسى هل حرك شفتيه بالرد وأُسارق النظر ، وإِذا أَقبلت على صلاتى أَقبل إِلى وأَنا قريب منه ، وإِذا التفت نحوه أَعرض عنى ، وتسورت على أَبى قتادة جدار حائطه وهو ابن عمى وأَحب الناس إِلىّ فسلمت عليه فوالله ما رد على ، فقلت : أَنشدك الله هل تعلمنى أَحب الله ورسوله ، وسكت وأَعدت له وفى الثالثة قال : الله ورسوله أَعلم ، ولما مضت أَربعون ليلة أَرسل إِلينا رسول الله A : اعتزلوا أَزواجكم ، فأَمرتها أَن تذهب إِلى أَهلها حتى يقضى الله ، ولما تمت خمسون وقيل أَكثر قعدت على ظهر بيتى عقب صلاة الفجر ونزلت توبتنا ، فسعى ساع وركض فارس للتبشير وافى على سلع رجل من أَسلم وهو جبل ونادى : يا كعب بن مالك أَبشر ، فخررت ساجدا والصوت أَسرع من الفرس فأَعطيته ثوبين ما لى سواهما ، فاستعرت ثوبين ولبستهما إِليه A والناس يهنئوننى حتى سلمت عليه A فى المسجد والناس حوله فقال : « أَبشر بخير يوم مر عليك من حين ولدت » فقلت : أَمن عندك يا رسول الله أَم من الله؟ قال : « لا بل من الله » ، ووجهه يبرق فى حينه ، وكان إِذا سر برق وجهه كأَنه قطعة قمر ، وقام إِلى طلحة يهرول حتى صافحنى وهنأَنى ، والله ما قام إِلى رجل من المهاجرين غيره ولا أَنساها لطلحة ونزل ﴿ لقد تاب الله . . . إِلى الصادقين ﴾ وحصته من ذلك هو الصدق إِذ لم يعتذر بكذب وإِلا فإِنه لم يغز العسرة : ﴿ وَظَنُّوا ﴾ أَيقنوا ، مبدأ العلم واليقين الظن ، فالظن الباب فتحوه ووصلوا المطلوب ، أَو حكمة التعبير بالظن التلويح إِلى أَن الظن الذى هو العلم ولو لم يبلغ اليقين كاف ﴿ أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ﴾ من سخط الله إِلى شىء إِلا إِلى استغفاره التضرع إِليه ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُو ﴾ أَنزل قبول توبتهم فى القرآن فى نفس هذه الآية أَو بإِيحائها إلى رسول الله A ، أَو أَظهرها ليعدوا من جملة التوابين ، أَو رجع عليهم بالقبول والرحمة بعد ما وقعا ليستقيموا على توبتهم أَو وفقهم للتوبة ليوقعوها ، وفى هذا تكون ثم بمعنى الواو لأَنه وفقهم للتوبة حين قدم رسول الله A من تبوك ، أَو على ظاهرها بمعنى إِتمامها وإِكمالها .

١٬٥٤٣ / ٦٬٠٩٣