83
الجزء ٤ · صفحة ١٤٠﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى ﴾ انقاد له أَول أَمره كما تدل له الفاءُ لما أَلقوا وأَلقى عقبه إِيمان قليل كما قال ﴿ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ ﴾ شبان ﴿ مِنْ قَوْمِهِ ﴾ من قوم موسى على معنى أَن غالب ذرية بنى إِسرائيل كفروا حين كانوا فى حكم فرعون ، دعاهم موسى فلم يجيبوه إِلى الإِسلام ، وأَجابه القليل مهم سراً كما قال ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴾ أَن يعاقبهم على الإِيمان بموسى ، وعلى خوف بمعنى مع خوف ، وهو متعلق بمحذوف حال . وقيل الذرية الإِسرائيليون الذين بمصر أَرسل إِليهم موسى وقد كفروا بالقهر ومخالطة القبط ، كما أَرسل إِلى القبط . هلك الآباءُ وبقيت الأَبناءُ وسمعوا ذرية بهذا الاعتبار ، وقيل نجا قوم من قتل فرعون وكفروا ، كانت المرأَة إِذا ولدت ولدا أَسلمته لقبطية خوفاً عليه فينشأُ على الكفر ، ولما غلب موسى آمنوا ، ولفظ ذرية للقلة وحداثة السن ، وقيل المراد مطلق الإٍسرائيلين ، كانوا على الإِيمان ولم يطيقوا إِظهاره ، ورجوع هاءِ قومه إِلى موسى هو الظاهر ، وقيل الهاءُ لفرعون وفيه أَنه لو كان كذلك لقيل إِلا ذرية من قومه على خوف منه برد الهاءَين إِلى فرعون لظهور أَنه لا خوف من موسى على الإِيمان ، أَو قيل إِلا ذرية من قوم فرعون على خوف منه كامرأَة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازنه وامرأَة خازنة وماشطة ابنتى فرعون ، وقيل ماشطة فرعون نفسه ، كانت له ضفائِر عين لها ماشطة . قال الفراءُ : سموا ذرية لأَن آباءَهم من القبط ، كما سمى أَولاد فارس الذين نقلوا إِلى اليمن الأَبناءُ لأَن أَمهاتهم من غير جنس الآباءِ ، وكان الرجل يتبع أُمه وخاله فى الإِيمان ، واعترض رد الضمير لفرعون ببعده وقرب موسى ، مع أَن إِعلان الإِيمان من قوم فرعون غير منقول قبل هلاكه إِلا السحرة ، وبأَن موسى هو المحدث عنه ، واعترض بأَن الكلام فى قوم فرعون لأَنهم القائِلُون أَنه ساحر ، وأَن بنى إِسرائيل فى قهر فرعون وبشروا بالخلاص على يد مولود نبى صفته كذا ، ولما ظهر اتبعوه ، ولم يعرف أَن أَحدا منهم خالفه ، وفى الآية تسلية لرسول الله A باَن معجزات موسى مدركة بالحس ظاهرة ، ومع ذلك لم يؤمن به من قومه إِلا قليل ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ ملإِ فرعون ، وكان بضمير الجمع على عادة الناس فى رد ضمير الجمع للواحد تعظيماً على فرض اعتياد ذلك فى قوم فرعون كما يصف الله الأَصنام بصيغ العقلاءِ كالذين لأَن ذلك عادة عابديها ، واعترض بأَن التعبير بالواحد عن الجمع تعظيماً معتاد فى التكلم كما يقال نحن فعلنا والمراد واحد والخطاب نحو رب ارجعون وقوله : أَلا فارحمونى يا إِله محمد . إِلا أَن الفارسى نقله فى الغائب ، والحافظ حجة والمثبت مقدم عن النافى ، أَو فرعون هنا اسم لقومه كعاد وثمود اسم للقبلتين مسميين باسمى أَبويهما ، وكربيعة ومضر وقريش ، واعترض بأَن هذا فى القبيلة وأَبيها وفرعون ليس أَبا للقبط مع أَن مثل هذا محتاج إلى السماع لا مقول بالقياس ، فلا يقال فلان من هاشم بل من بنى هاشم وهكذا ، أَو الهاءُ للذرية أَو لقوم موسى أَو قوم فرعون سواءٌ جعلنا الضمير فى قومه لموسى أَو لفرعون ، وإِذا جعلنا الهاءَ للذرية فالمراد ذرية فرعون لا ذرية موسى ، إِذ لا وجه لخوف الذرية المؤمنة من ملئِهم ، إِلا أَن يراد ملأُ بنى إِسرائيل الناشئِين تحت فرعون فى كفر أَو الناشئِين فى إِيمان ، خافوا الهلاك على من دونهم فمنعوهم من الإِيمان أَو إِظهاره ، وقيل عائِد إِلى الأَل المقدر هكذا ، على خوف من آله فرعون ، ويرده أَنه لا دليل عليه ، وقد وجدنا مرجعاً للهاء بدون هذا التقدير ، وكذا يرد على من قدر على خوف من فرعون وقومه وملئِهم ، وقول السعد والرضى جمع المفرد تعظيماً مختص بضمير المتكلم غير مسلم ، بل يقع فى ضمير المخاطب والغائب أَيضاً كما مر ، والظاهر كما ورد لأَن العلة واحدة ، وإِذا أَطلق اسم الأَب على قبيلته فتارة يراد معها وتارة تراد دونه ، وإِذا عبر بآل فلان فتارة يراد فلان وتارة كلاهما وتارة أَهله دونه ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ يصرفهم عن دينهم بالعذاب ، والمصدر بدل اشتمال من فرعون أَو مفعول به لخوف من إِعمال المصدر المنون أو علة لمحذوف أَى أَسروا لئَلا يفتنهم ، ولم يجمع ضمير الرفع فيعود لفرعون والملأَ ، لأنَ الصرف والعذاب منهم تبع لع وعمل بأمره ، وكأَنهم لم يخافوا سواه ، وإِن أُريد من فرعون قومه على ما مر فرد الضمير إليه هنا لنفسه خاصة استخدام ﴿ وَإِنَّ فِرْعْونَ لَعَالِ ﴾ متكبر غالب .