تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

19

الجزء ٥ · صفحة ٣٤٥

وعن الضحاك كان أكثر مال أهلها غصبا ، وهم زهاد بعد الهروب ، أو تحرزوا عن الذبائح التى تذبح للأصنام ، وعن لحم الخنزير ، وقيل : لأزكى الأرز ، وقيل : التمر ، وقيل : الزبيب ، وفى المدينة مؤمنون خفيون وكافرون فيما قيل حين هربوا وهو عن ابن عباس ، ويقال فيها مسلمون مستخفون ومجوس ، والإشارة غلى دراهمهم التى أخذوها من بيوت آبائهم حين هربوا بل إِلى ما بقى منها بعد صرف ما صرفوا ، وضموها عند رءوسهم فوجدوها حين بعثهم الله .

وقيل : المدينة أفسوس بضم الهمزة وإسكان الفاء ، وقيل : هما واحدة تسمى فى الجاهلية أفسوف ، وفى الإسلام أو عند العرب طرسوس ، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح ، والظاهر التغاير ، ومنها خرجوا ، وقيل غير التى خرجوا ، والصحيح الأول وأى موصولة حذف صدر صلتها أو استفهامية علق عنها النظر على أنه قلبى وهو الظاهر ، والآية من باب الأسلوب الحكيم ، ويقال أسلوب الحكم ، ويقال أسلوب الحكم بالإضافة ، وفى الأول تجوز فى الإسناد ، وذلك الأسلوب هو تلقى المخاطب بما ليس مناسبًا لكلامه ، لحمله على وجه آخر لحكمة .

ولذلك حصل اتصالها بما قبلها حتى فرعت بالفاء لما التبس الأمر عليهم فى مدة اللبث ، قالوا خذوا فى الأهم ، وهو تحصيل المأكول ، كما قال الحجاج لرجل : لأحملنك على الأدهم ، يعنى الحديد يقيده به ، فقال الرجل : مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب ، والأدهم الفرس الأسود ، ودل له ذكر الأشهب أى الفرس الأبيض .

﴿ فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ﴾ ما نأكله ، والهاء للطعام ، ومن للابتداء أو للتبعيض ، وقيل : الهاء له أو للورق ، كما مر أنه يذكر ويؤنث ، فمن للبدل ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ يحتل فى المعاملة لئلا يغبن ، وفى التخفى لئلا يعرف فيها أو فى الذهاب ، أو الرجوع .

﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ تصريحًا ولا كناية ، أو تلويحًا يعرفوننا به ولا بالتقصير فى الإخفاء ، وعللوا ذلك بقولهم :

﴿ إِنَّهُمْ ﴾ إن أهل المدينة التى خرجوا منها ﴿ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أى يطلعوا عليكم بالمعرفة بعد الخفاء ، أو إن تغلبوا عليكم بالظفر بكم ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ أى بالحجارة حتى تموتوا ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ﴾ يصيِّروكم ، أو قال ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك فيها ، وإن لم يبلغوا فلنشأتهم معهم ، ومتابعتهم ، ولو كانوا لا ذنب عليهم .

﴿ فِى مِلَّتِهِمْ ﴾ من الشرك بالقهر حتى تدخلوها ، أو تصيروا فى تعب شديد من التقية والمباراة ، ولم يقولوا إلى ملتهم ، بل فى ملتهم ، ذكراً لما هو أشد كراهة منهم ، وهو المتمكن فى الكفر ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا ﴾ إِذ دخلتم فيها ﴿ أَبَدا ﴾ فى الدنيا ، ولا فى الآخرة ، ولو كانوا يتقون بإظهار الكفر ، لأن قلب المسلم يأبى من هذا أيضا ، وأيضا بما أدتهم التقية إلى دخول الكفر إلى القلب ، وقيل التقية بلفظ الكفر لا يجوز لمن قبلنا ، وأيضًا قد لا يكتفون منهم بالقول ، بل يجيرونهم على الذبح للأصنام ، أو للسجود لغير الله .

٢٬٣٤٥ / ٦٬٠٩٣