18
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٦« شاهت الوجوه » ، أَى قبحت . فلم يبق مشرك إِلا ودخل فى عينيه وفمه ومنخريه من ذلك التراب شئ ، فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم . وعن قتادة وابن زيد أَن رسول الله A أَخذ ثلاث حصيات فرمى فى ميمنة القوم بحصاة وفى ميسرتهم بحصاة وبين أَظهرهم بحصاة ، وقال : شاهت الوجوه فما كان إِلا انهزامهم ﴿ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المؤْمِنِينَ ﴾ بالنصر والتوفيق ، ويجوز أَن يقول أَنا مؤمن إِن شاءَ الله تعالى ، بمعنى خوف أَن يكون فيه شئ ناقض لإِيمانه ، وأَما على أَن يشك فى إِيمانه فلا إِلا على التبرك فيجوز ولو لم يستثن إِذا أَراد تحقيق ما عنده ، وأَنه غير شاك ، وأَما على معنى أَنه مؤمن حقا عند الله بحيث يثيبه بالجنة ، أَو بحيث الجزم بأَنه لا خلل فيه عند الله فلا إِلا بالاستثناء ، قال A للحارث بن مالك : « كيف أَصبحت يا حارث » ؟ قال : أَصبحت مؤمنا حقا ، فقال A : « انظر ما تقول فإِن لكل شئ حقيقة ، فما حقيقة إِيمانك » ؟ قال : إِنى عزفت نفسى عن الدنيا ، فأَسهرت ليلى ، وأَظمأت نهارى وكأَنى أَنظر إِلى أَهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأَنى أَنظر إِلى أَهل النار يتصارخون فيها . والعطف على إِن الله موهن ، أَو على مصدر يبلى ، أَو يقدر كان النصر للمؤمنين؛ لأَن الله مع المؤمنين ، وقيل : الخطاب فى إِن تستفتحوا إِلخ للمؤمنين ، أَى إِن تطلبوا النصر فقد نصرتم فاحمدوا الله ، وإِن تنتهوا عن الكسل فى القتال وعن الرغبة فى الأَنفال التى لله ورسوله كما كان منكم ، وإِن تعودوا لذلك نعد لكم بالإِنكار ، أَو بتغليب العدو عليكم ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت فكيف وقد قلت . أَو ولو جددت لها كثرة بعد فإِن الله مع المؤمنين فيمن كسر إِن . ولا يقوى كما زعم بعض بقوله :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ﴾ إِلخ . . لأَن شأن القرآن ترتيب ذكر أَمر المؤمنين بعد ذكر أَمر الكافرين والعكس . ﴿ وَلاَ تَوَلَّوْا ﴾ لا تتولوا ، لا تعرضوا ﴿ عَنْهُ ﴾ أَى عن رسوله لأَنه أَقرب فى الذكر ، وذكر طاعة الله توطئة وتنبيه على أَن طاعته فى طاعة رسوله A ، أَو عن الله؛ لأَن الدين وكل شئ عنه ، والرسول مبلغ ، وعلى الوجهين جعل التولى عن أَمر الله توليا عن الله ورسوله ، أَو يقدر مضاف ، أَى عن أَمره والإِعراض عن معاونته A ، ومخالفته إِعراض عنه ، أَو الهاء للجهاد لأَن السياق له ، أَو للأَمر المدلول عليه بأَطيعوا ، وهو أَحد الأَوامر ، أَو عن الأَمر ضد النهى كذلك ﴿ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ ما يتلو عليكم عن الله من الأَحكام والمواعظ سماع فهم وتصديق .