تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

28

الجزء ٥ · صفحة ٣٥٧

﴿ واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك إِنا أعتدنا للظالمين ناراً ﴾ فقام A يلتمسهم فوجدهم فى مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال : « الحمد لله الذى لم يمتنى حتى أمرنى أن أصبر نفسى مع رجال من أمتى معكم المحيا ومعكم الممات » فالتلاوة للقرآن المستلزمة للعمل بما تضمنه .

﴿ وَلاَ تطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ جعلنا قلبه غافلاً كأمية بن خلف من جملة من دعاك إِلى طرد الفقراء المسلمين ، ومَن لا يعبأ به من المسلمين ، والآية صرخت بغباوتهم لانهماكهم فى المحسوسات الظاهرة ، وإعراضهم عما به الشرف الدائم دنيا وأخرى ، وهو زينة الدين ، والآية نصت على أن الله خلق المعصية ، كما خلق الطاعة ، والجهل ، كما خلق العلم ، وإذا قلنا أغفلنا قلبه بالخذلان ، فالمراد نفى الإجبار لا الهروب عن خلق العلم ، وإذا قلنا أغفلنا قلبه بالخذلان ، فالمراد نفى الإجبار لا الهروب عن خلق الله المعصية ، ومنعت المعتزلة ذلك فقالوا : المعنى وجدنا قلبه غافلاً ، أو نسبنا الغفلة إلى قلبه فراراً منهم عن نسبة القبيح إلى الله سبحانه ، كأجبنه بمعنى وجده جباناً ، وأبخله بمعنى وجده بخيلا وأقحمه بمعنى وجده مقتحمًا أو نسبه لذلك ، كقول معدى كرب لبنى سليم : قاتلناكم فما أجبنَّاكم ، وسألناكم فما أبخلناكم ، وهجوناكم فما أقحمناكم ، وفيه نسبة المصادفة إِلى الله تعالى وهى ممنوعة للزوم تقدم الجهف عنها .

فالمعتزلة بل بعضهم يقولون : لا يعلم الله فعلا حتى يكون ، وهو فى معنى الإشراك أو أهملناه ولم نوقفه ، وبه قال الرمانى من المعتزلة ، كقولهم : أغفل إبله إذا تركها بلا وسم ، عكس الذين كتب فى قلوبهم الإيمان قال الكميت ، وهو من الشيعة :

وطائفة قد كفرونى لجدكم … وطائفة قالوا مسئ ومذنب

أى نسبونى إلى الكفر وذلك منهم خطأ ، فإن الله هو القادر متأثر القدر لا قبح له فى خلقه وهو خالقهم ، وإِنما القبيح هو قولهم : إِنه يقع فى ملك الله ما لم يرده ، وهو خلق العدد ما هو قبيح إذ نسبوا الخلق فى ذلك إلى الفاعل ، وليس فى مذهبنا سوى أن الله نهى عن القبيح ، وقد خلقه ، فعصى عصيانا قارنه خذلان .

﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ استدل به المعتزلة على مذهبهم فى تفسير أَغفلنا إِذ لو كان المعنى كما قلنا صيرنا قلبه غافلا لقال : فاتبع هواه بالفاء التفريقية والتسبب على تصييرها غافلة ، فلم يسند الاتباع إلى مشيئته تعالى ، بل إلى شهواتهم ، ويجاب بأَن القدرة المؤثرة ليست إلا لله كما قال : ﴿ قل كلٌّ من عند الله ﴾ وللعبد قدرة كاسبة يصح إِسناد أفعاله الاختيارية إليه بسببها وفعل العبد يكون بكسبه ، وبفعل الله والإسناد إلى الكاسب حقيقة ، وإلى الخالق تعالى مجاز فيما هو كسب ، وأيضا ليس النص على التقريع ، وإنما هو بحسب القصد .

٢٬٣٥٧ / ٦٬٠٩٣