تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

28

الجزء ٥ · صفحة ٣٥٨

فإن المراد هنا الإخبار بوقوع شيئين : الإغفال واتباعهما لهوى ، كما تقول : جاء زيد وأكرمته إذا أردت الإخبار بأنه جاء ، وأنك أكرمته هكذا أو إن أردت التصريح بما هو سبب قلت : فأكرمته بالفاء .

﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ تقدمًا على الحق بحيث يكون خلفهم منبوذاً ، والمادة منبئة عن العجلة ، كما يقال : فرط منه قول قبيح ، أى سبق ، وفرس فرط : يسبق الخيل ، قال الله D : ﴿ إنا نخاف أن يفرط علينا ﴾ وفرطت القوم سبقتهم إلى الماء ، وفراط الغنم متقدماتها إلى الوادى والماء ، وفى الحديث : « أنا فرطكم على الحوض » وأفرط جاوز الحد ، وفرطا فى الآية بمعنى فارطًا أو مسرفًا أو مضيعًا ، أو مفرطا فيه ولا يقال : لم لا يطردهم جلبًا للكثير والكبراء ليقوى الإسلام ، فإنا نقول : فى ذلك إهانة للإسلام ، وللسابق إليه ، وكسر لقلبه ، وتنفير عنه ، وتقليل لمن يدخل فيه ، وتسبب فى ردة من أسلم ، وإساءة ظن بتفضيل أهل الدنيا .

وأكثر الناس ليسوا بأصحاب مال ومرتبة ، وإنما الإسلام المرتبة العظيمة ، فمن سبق إليها فهو الفائز ، ولإسلام غير محتاج إلى شرف الناس ، بل مَن أعرض عنه كب ، ففى ذلك بيان من الله لهؤلاء الأشراف أن نحو سلمان وعمار هو الشريف ، وهكذا قل ولا تحتاج أن تقول : إن الله عالم بأن هؤلاء لا يؤمنون إيماناً صيفاً ، وبدل لما قلت قوله تعالى :

﴿ وَقُلِ ﴾ لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ مبتدأ وخبر أى الحق آت أو ثابت من ربكم ، لكن إذا قدرنا آت فالخبر آت لا من ربكم ، وما أتى من غير الله مما لم يأذن به الله ، ليس بحق ، بل مجرد هوى ، أو الحق خبر لمحذوف ، و من ربكم حال مؤكدة أو خبر ثان ، أى ذلك الحق من ربكم ، أو هذا الحق ، أو الذى آتيتكم به ، والمراد ما من أول السورة ، أو كل ما أوحى إليه .

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ﴾ بهذا الحق المذكور ، أو بالنبى ، أو بالقرآن ، وهذا من مقول القول أو من الله تعالى .

﴿ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ لا أُبالى إيمانكم وكفركم ، إنى مثاب على تبليغى ولو لم تعملوا به ، ولا يضرنى كضركم ، ولا أطرج الفقراء آمنتم أو كفرتم ، أو استعارة للخذلان بتشبيه ما هو بحال المأمور بالكفر ، والجامع عدم المبالاة ، والآية لا تقتضى استقلال العبد بفعله ، لأن مشيئته الإيمان أو الكفر لا تكون إلا بمشيئة الله D ، ولا ينفذها إلا بإنفاذه تعالى ، فإنه خالق لمشيئة العبد ، وإنفاده لها ، ومشيئة العبد غير مؤثرة ، وأيضا قال الله D : ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله ﴾ والشرط لا يلزم أن يكون علة تامة للجزاء ، بل يكفى أن يكون سببًا فى الجملة كما فى المطول .

٢٬٣٥٨ / ٦٬٠٩٣