30
الجزء ٨ · صفحة ٢٥﴿ فأقِم وجْهَك للدَّين حنَيفاً ﴾ والفاءان عاطفتان ، والايتان تسلية لرسول الله A ، وإياس له من إيمانهم « فلا تذهب نفسك عليهم حسرات » فاشتغل بنفسك ومن تبعك ، ومعنى : ( اقم وجهك ) اقبل عل دين الاسلام ، واثبت عليه ، ورتب اسبابه ، ولا تلتفت الى غيره ، كمن اهتم بشئ ، فلا يصرف وجهه ونظره عنه ، واللام للتعدية ، والملك او التعليل او بمعنى الى ، وحنيفا حال من ضمير اقم ، او من وجهك او الدين او للدين ، متعلق بحنيفا اى مائلا اليه ، معرضا عن غيره .
﴿ فِطْرة الله التَّى فَطَر النَّاسَ عَليْها ﴾ منصوب على الاغراء ، اى الزموا فطرة الله او مفعول لاتبعوا محذوفا ، ومنيبين حال من واو الزموا ، او واو اتبعوا ، او فطرة بدل من وجهك على معنى طريقتك ، او بيان له ولا يصح ان يكون بدلاً من حنيفا ، لان الحنيف وصف وقع حالا ، وفطرة مصدر ، والمعنى متغاير ، وهو فعلة من الفطر بمعنى الخلق ، وهو الابتداء والاختراع ، وفسره كثير بقابلية الحق والتهيؤ لإدراكه ، وفسروا لزومها او اتباعها بالجريان على مقتضاها ، وفسرها عبدالله بن المبارك بما خلق الله من السعادة والشقاوة ، فى حديث : « كل مولود يولد على الفطرة » والذي اقول به انها دين الاسلام التوحيد وتوابعه ، فمن انس ، عن رسول الله A : « هى دين الاسلام » ومعنى فطرهم عليها خلق عقولهم قابلة لها ، لائقة ولم يعلم الناس الصبيان الكفر لم يكفروا بعد البلوغ ، بل يبلغون على الاسلام .
وعنه A : « يقول الله D : إنى خلقت عبادى حنفاء فاجتالهم الشياطين عن دينهم » روى البخارى ومسلم ، عن ابى هريرة ، عن رسول الله A : « ما من مولود يولد الا على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه » كما تنتج البهيمة بهيمة جماء ، هل تحسون فيها ، جدعاء اى مقطوعة الاذن او الانف ، وذلك شامل للجن والانس ، ولا يشكل بالغلام الذي قتله الخضر عيله السلام ، وان فى كتفه مكتوبا هو كافر لاق معناه انه يكفر لو بلغ ، وقيل : هى اسلام يوم الست بربكم ، والمراد بالناس العموم ، ولا سيما على القول الاخير ، لا كما قيل المراد المؤمنون فى غير هذا الاخير .
﴿ لا تَبْديل الخَلْق الله ﴾ هو فطرة ، عبر عنها بخلق الله وضعا للظاهر موضعغ المضمر ، والمعنى ذلك بسنة الله D ، لا يبدلها بخلقهم ، او خلق بعضهم على الكفر ، لانه خلاف الحكمة ، والحكمة الاسلام ، او المعنى لا قدرة لاحد على ان تكون فطرتهم على الشرك ، وقيل : لا قدرة لمخلوق ان بجعل الناس غير مملوكين لله ، بل احرار لا يعبدونه مستقلون عنه ، كما زعم بعض الكاذبين ان العبد اذا بلغ الكمال فى العبادة سقطت عنه ، وقد أخطا فى بلوغ الكمال الكلى ، اذ لا يتصور ، بل كلما ازداد كما لا ازداد عبودية لازدياد نعم الله .