جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

معنى الإقامة ومغزاه

الجزء ٢ · صفحة ١٣٣

رابعها: أن إقامتها عبارة عن استجماع الهمة وتحريك العزيمة لأدائها؛ من قولهم قام بالشيء إذا اشتدت به همته، وبالغ بالعناية بإتمامه، ويقال في الضد: قعد عن الشيء أو نام عنه، إذا استخف به، ولم يتمم لوازمه، ومن المعلوم أن القيام في العمل لا يكون إلا لداعي الاهتمام به، كقيام الخطيب في خطبته فإنه دليل على اهتمامه بما يتحدث به وحرصه على وصوله إلى مسامع الحاضرين، وولوجه إلى أذهانهم، وامتزاجه بأفهامهم، وكذلك قيام الصانع في صنعته، وهكذا، ويدل كذلك على صعوبة ما يمارسه القائم من القول والعمل.

وثم وجه آخر؛ وهو أن ذكر الإقامة جاء تنويها بالقيام في الصلاة، لأنه ركن من أركانها، وجزء مهم من أعمالها، ولاحظ عليه قطب الأئمة- رحمه الله- في الهيميان بأن الجزء الذي يذكر عن الكل يلزم أن يكون جزءا مهما، وكل من الركوع والسجود أدل على الخضوع وأقرب إلى الخشوع من القيام، فكيف يذكر دونهما مع قصد الصلاة نفسها، وأجاب عن هذه الملاحظة بأن للقيام في الصلاة أهمية لا تقل عن أهمية الركوع والسجود، لأنه يدل على غاية الامتثال ومنتهى التذلل. ومثله فيها مثل ما يكون من المحكومين أمام الحاكمين، والمرؤوسين أمام الرؤساء، ومن هنا أمر الله تعالى بالقيام بين يديه في قوله: ( وقوموا لله قانتين)(6) وذلك في الصلاة قطعا.

وما ذكرته أولا من تفسير إقام الصلاة معناه محكي عن بعض السلف، فقد أخرج ابن جرير عن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: " المراد "بيقيمون الصلاة" أنهم يقيمونها بفروضها، وروي عنه من طريق الضحاك أنه قال: إقام الصلاة تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، ولا يعد هذا اختلافا بينهم لأنه ناشئ عن اختلاف مقامات السؤال بحسب أنظار المحبين إلى أحوال السائلين، أو إلى الظروف الملابسة لسؤالهم،

٤٧٠ / ١٬٢٢٠