صفة الإيمان اليقيني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٦صفة الإيمان اليقيني:
وذكر الإمام أن الإيمان المبني على اليقين هو الذي يكون معه إحساس من طريق الوجدان يجعل المؤمن كأنه يرى ما آمن به وهذا الإيمان هو الذي يملك نفس صاحبه، وهو يأتي من طريقين:
الأول: النظر الصحيح فيما دعت الحاجة فيه إلى النظر كالإيقان بوجود الله ورسالة رسله، وذلك بتخليص المقدمات إلى أن تصل إلى حد الضروريات فيكون الإنسان بذلك كأنه راء بعينيه ما استقرت عقيدته عليه.
الثاني: خبر الصادق المعصوم بعدما دلت على صدقه الدلائل وقامت على عصمته الشواهد.
ولا يكون ذلك الخبر طريقا لليقين حتى يسمعه السامع من نفس المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، أو يصل إليه من طريق لا يحوم حولها الريب، وهي طريق التواتر دون سواها، فلا مصدر لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة فيما يأتي من طريق النقل إلا التواتر الذي لا خلاف فيه، وذلك في الأمور الغيبية التي لا سبيل للعقل إليها، نحو وصف الآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وصفاته. وكذلك صفات الله تعالى التي تتوقف معرفتها على الوحي.
وتقديم الجار والمجرور- وهما بالآخرة- على متعلقهما- وهو يوقنون- وبناؤه على الضمير يفيدان الحصر عند الزمخشري وفي ذلك تعريض بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالآخرة على حقيقتها، وخالفه في ذلك العلامة ابن عاشور، فرأى أن تقديم الجار والمجرور إنما هو لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة، وفيه ثناء على هؤلاء لأنهم أيقنوا بأهم ما يوقن به المؤمن، وأنكر الحصر الذي ادعاه الزمخشري لاقتضائه أن يكونوا يوقنون بالآخرة دون غيرها، ورأى أن تكلف إخراج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله غير معهود.
******
---