أثر الإيقان بالآخرة
الجزء ٢ · صفحة ١٧٣أثر الإيقان بالآخرة:
واختتم تعالى صفات هذه الطائفة بذكر الإيقان بالآخرة لأنه ملاك الأمر، وسور الصالحات، والحاجز دون تردي النفس في مهاوي شهواتها ونزواتها، لأن فيه ربط العمل بالجزاء، ووصل المبدأ بالمصير، وما قبل الموت بما بعده، ولأن اليقين بالحياة المطلقة الأبدية بعد هذه الحياة المقيدة الفانية؛ هو مفترق الطرق بين أولئك الذين يعيشون في مضيق الحس لا يعرفون وجودا إلا هذا الوجود المحسوس، ولا متعة إلا هذه المتعة الفانية، ولا هدفا إلا ما يختص بحياة الأرض، وأولئك الذين تفتحت مداركهم واتسعت آفاق أفكارهم فأيقنوا أن المحسوس ليس هو كل شيء في الوجود وأن هذه الحياة ليست هي كل وجود الإنسان، وأن متعها الفانية ليست هي كل شيء بالنسبة إلى منافعه ومصالحه، وأن أهدافها يجب أن تكون وراءها أهداف أسمى منها قدرا، وأغلى منها قيمة، فإن من شأن هذا الإيقاف أن يدفع بصاحبه إلى التفكير في العاقبة والجزاء على الأعمال وتكييفها بحسب رغبته في نوع جزائها.
والآخرة وصف أغنى عن الموصوف في التعبير لاستقراره في الأفهام، والمراد به الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، حيث يحاسب كل أحد على عمله، ويجزئ به جزاء وفاقا، والإيمان بها يشمل الإيمان كله بكل ما يحدث فيها، مما تضمنته النصوص القاطعة.
واليقين: قيل هو الاعتقاد للواقع الذي لا يقبل الشك ولا الزوال. ذلك لأن الاعتقاد إما أن يكون اعتقادا بأن الشيء كذا أو اعتقادا بأنه لا يمكن إلا أن يكون كذا.
وقيل: هو الاعتقاد الجازم في غير الحسيات والضروريات، ويعم الجزم بخبر الصادق والاعتقاد المبني على الأدلة والأمارات إن كان ثابتا لا شك فيه.
وفسره أئمة اللغة بأنه العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر. وقالوا: إنه نقيض الشك،، كما أن العلم نقيض الجهل، ولعل هذا التفسير دعا بعض المفسرين من المتقدمين والمتأخرين إلى القول بأنه العلم