أثر الإيمان بالغيب في صفاء النفوس
الجزء ٢ · صفحة ١٦٦أثر الإيمان بالغيب في صفاء النفوس:
والخلاصة: أن الصحيح مما تقدم من الأقوال قول مجاهد والربيع بن أنس ومن وافقهما، وهو أن هذه الصفات هي لجميع المؤمنين، وذلك يقتضيه تناسق الآيات وترابط النعوت، فالله عز وعلا عندما ذكر الكتاب بين أن هدايته خاصة بالمتقين، والتقوى تستلزم صفاء الروح، وروحانية النفس، وزكاء الفطرة وسلامة الحس، وطهارة اللسان، ونقاء الوجدان، واستقامة الأركان وحياة الضمير. وبهذا يتم التناسق بين المشاعر الباطنة والحركات الظاهرة عند المتقين. وبسبب هذا النقاء الباطني تشف السرائر وتتألق البصائر، وترتفع عن النفوس حجب الطبع الكثيفة الحائلة بين كثير من الناس، واتصالهم بعالم الغيب ، وبارتفاعها عن نفوس المتقين تتجلى لهم الحقائق الغيبية بحسب ما تفيضها الأدلة العقلية أو النقلية تجليا لا يدع مجالا للشك أو الريب. ومن ثم كان الإيمان بالغيب أول ما نعت به المتقون هنا.
والإيمان شعلة في النفس تطوي من جنباتها سجاف ظلماتها، فتستنير لها مسالك الحياة، وينكشف لها ما فيه سلامتها أو خطرها. وهذه الشعلة المعنوية لا تختلف عن الشعل الحسية في حاجتها إلى ما يمدها بالطاقة؛ وإلا خبا نورها واختفى شعاعها، وقد جعل الله سبحانه عباداته المتنوعة وقودا روحانيا للإيمان، وعلى رأس هذه العبادات الصلاة التي تتميز بعمق أثرها وقوة تأثيرها، فلذلك كانت إقامتها الصفة الثانية للمتقين.
وبما أن الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة يسكبان في النفس الإنسانية الشعور بالآم الآخرين ويبعثان فيها الإحساس بضرورة العطف على البؤساء والمحرومين، وهو مما يدفع صاحبه إلى الإحسان كان ثالث ما وصفوا به الإنفاق من رزق الله.
ومع كل ذلك فالضرورة داعية إلى الوحدة الفكرية والرابطة الروحية التي تنتظم عباد الله منذ بداية الخلق إلى أن يرث الكون مكونه، وبدونها تتقطع جميع الروابط وتنحل كل