الإيمان بالقرآن الكريم وأثره
الجزء ٢ · صفحة ١٧٠الإيمان بالقرآن الكريم وأثره:
والإيمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون إيمانا تفصيليا بحيث يقصد المؤمن بإيمانه الكتاب المنزل إليه للإعجاز والهداية الذي رقم في المصاحف وتناقلته الألسنة بالتواتر.
أما الإيمان بما أنزل من قبل على سائر الرسل فيكفي أن يكون إيمانا إجماليا، بل هذا هو الواجب نظرا إلى أن المنزل إليهم لم يبق كما هو، بل دخله التحريف والتبديل، فليس ثم شيء معين مما أنزل إليهم باقيا على ما كان عليه حتى يقصد بالإيمان، وهذا أحد سببين أوجبا التفرقة في الإيمان بين القرآن والكتب السالفة.
وثاني السببين أن القرآن تعبدنا بالعمل به بخلاف تلك الكتب، فقد انتهى أمدها وهيمن عليها جميعا هذا الكتاب الخالد الذي لا أمد لأثره وهدايته، ولا يمكن العمل به إلا بعد تشخيصه في الإيمان.
وذهب جماعة منهم الفخر الرازي وأبو السعود والألوسي، إلى أن الإيمان بالقرآن الواجب على العوام هو إيمان إجمالي أيضا كغيره من الكتب المنزلة لتعذر الإحاطة بدقائق حكمه وتفاصيل أحكامه على عوام الناس، وإنما رأوا الإيمان به تفصيلا فرضا كفائيا يقوم به العلماء المتبحرون الذين يستخرجون من أعماق بحاره الزاخرة مكنون جواهر حكمه وأحكامه.
وذكر العلامة الألوسي اختلاف الفقهاء في قدر المسافة التي يجب أن يتوفر فيها من يقوم بهذه المهمة بين الناس، فمنهم من رأى وجوب وجود مثله في كل حد مسافة القصر من البلاد الإسلامية لئلا تبقى طائفة من الناس تتخبط في ظلمات جهلها بدون مرشد ولا دليل، ويحرم- عند هؤلاء- على الإمام إخلاء مثل هذه المسافة من مثل هذا الشخص الجامع لهذه الصفات.
ومنهم من يرى وجوب توفر مثله في كل إقليم، ومنهم من يرى إن وجود مثله في أي جزء من العالم الإسلامي يسقط هذا الواجب عن جميع الأمة، وفي المقام بحث نرجئه إلى مكانه المناسب بتوفيق الله.
ولا