جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الإنفاق في سبيل الله يعالج الشح والأثرة

الجزء ٢ · صفحة ١٥٥

المؤمنون: ( والذين هم للزكاة فاعلون)(10) ، ومثله ما في سورة الذاريات وهو قوله: ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)(11) ، وقوله في سورة المعارج: ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)(12) ، فإنه من المعلوم أن الحق المقصود هو الزكاة وجميع هذه السور مكية.

هذا؛ وفي وصف المشركين في سورة فصلت بأنهم لا يؤتون الزكاة، إيماء إلى أن تركها ليس من صفة المؤمنين، وكفى ذلك داعيا لذوي العقول السليمة إلى المثابرة إلى أدائها، والمحافظة عليها، ومنذرا لمن استخف بحقها وتهاون في أدائها، والزكاة إنما هي جزء من الإنفاق الواجب كما سلف.

وفرض الإنفاق في الإسلام مبني على اعتبار ما بأيدي الأغنياء- من الأموال- مال الله سبحانه، وما هم إلا مستخلفون فيه، ومؤتمنون عليه، والدلالة على ذلك واضحة في قوله تعالى: ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)(13) ،وقوله: ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(14) .

والشعور بذلك يمنع الغني إذا مد يده إلى الفقير بشيء من المال من الاستعلاء والاستكبار، كما أنه يحمي الفقير حين يمد يده لتناول حقه من الغني من الذلة والانكسار، فالمعطي لم يعط إلا من مال الله،الذي من الله عليه به، وأوجب عليه الإنفاق منه، والآخذ لم يأخذ إلا حقه الشرعي الذي فرضه الله له مما جعله تعالى في أيدي الأغنياء من المال، فلا منّ ولا إيذاء، ولا استعلاء ولا استكبار من قبل المعطي، ولا ذلة ولا انكسار ولا خضوع ولا استخذاء من قبل الأخذ، وهذه المبادئ القيمة هي التي أسعدت الأمة المسلمة عندما حرصت على تطبيقها، وكانت لها مخلصا من محن الفقر ولأواء الفاقة، حتى بلغ الحال في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- أن كان المسئولون عن الزكاة يجهدون في البحث عن الفقراء الذين يستحقونها فلا يجدونهم، حتى أمر عمر أن يزوج منها العزَّاب، وأن يُبنى بها بيوت للذين لا يملكون مساكن ولم تكن نعمة هذه المبادئ خاصة بالمسلمين،

٤٩٢ / ١٬٢٢٠