الإيمان بالقرآن الكريم وأثره
الجزء ٢ · صفحة ١٧١أرى فارقا معنويا بين ما قالوه وما قلته في تحديد الإيمان الواجب بما أنزل على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن مرادهم بالتفصيل الاحاطة بكل محتوى ما يؤمن به، ومرادي به تشخيصه بالإيمان وتمييزه عن غيره، واتباع ما جاء به بحيث يصبح مسيطرا على شعاب النفس وموجها للجوارح والأركان، وهذه هي صفة المؤمنين بآيات الله كما وصفهم بها في قوله: ( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون)(1) .
وقد وبخ الله سبحانه الذين ادعوا الإيمان بالقرآن ثم هموا بأن يتحاكمون إلى غيره حيث قال: ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا)(2) .
وإذا كان الله تعالى جعل صنيع بني إسرائيل- إذ عملوا ببعض ما أنزل إليهم وأعرضوا عن بعض- من باب الخلط بين الإيمان والكفر، حيث قال بعد تعداد ما صدر منهم: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)(3) .
فإن هذا الحكم نفسه يسري على الذين ينتسبون إلى القرآن وهم يعرضون عنه بمجانبة هديه وتعطيل أحكامه ومخالفة تعاليمه، وابتغاء الحق في غيره، ومن ثم حكم سبحانه وتعالى على من لم يحكم بما أنزل بالكفر والظلم والفسق، وذلك في قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(4) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)(5) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)(6) .
وبهذا يتبين أن الإيمان بالقرآن له معنى عميق ترتبط به حياة المؤمن، وذلك أن يتكيف في فعله وتركه بحسب ما تقتضيه أحكامه وتعاليمه.
وقد كان السلف الصالح يعدون مجانبة شئ من هديه منافيا