جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أثر الإيقان بالآخرة

الجزء ٢ · صفحة ١٧٤

بالشيء عن نظر واستدلال، أو بعد شك سابق.

والشك إنما يكون فيما يستوجب النظر، وعليه فيكون اليقين أخص من الإيمان ومن العلم. واحتج بعضهم لذلك بقوله تعالى: ( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم)(1) .

ومن ثم لا يطلق الإيقان على علم الله ولا على العلوم الضرورية، وبناء على هذا فإن إيثار مادة الإيقان في ذكر الإيمان بالآخرة لما فيها من الإشعار بأن علمهم بالآخرة ناتج عن كد الفكر وسعة التأمل في الاستدلال، لأن الحياة الأخروية حياة غائبة عن الأبصار وسائر الحواس، غريبة على الأفكار المنغلقة بين جدران الحس، وقد تراكمت على هذا الأفكار شبه جمة حالت بينها وبين إدراكها حالة الدار الآخرة، وهي مناسبة جديرة بالاعتبار في اقتناص دقائق أسرار التعبير القرآني وقد نبه عليها أحد أئمة التفسير الحاذقين.

وبناء على ما ذهب إليه الإمام محمد عبده من التفرقة بين الطائفتين الموصوفتين في الآيتين، وأن الأولى كانت على إيمان جزئي، والثانية هي التي آمنت الإيمان الكلي، قال ما معناه:

وصفت هذه الطائفة التي اكتمل إيمانها بالإيقان بالآخرة، لأنهم مؤمنون بالقرآن، بخلاف الأولى فإنها كانت فقط على جزء من الإيمان وهي في طريقها إلى الإيمان الكامل لما أوتيت من الاستعداد لذلك.

وقد عرفت مما تقدم أنني أرجح رأي من يقول إن جميع الصفات الواردة في الآيتين هي لموصوف واحد، وهو الطائفة المؤمنة.

واليقين هو أساس الإيمان الذي لا يقوم إلا عليه، فإن إيمان من يعتمد على مجرد الظن إيمان متزلزل لا ثبات له، فهو منهار الأسس منهد الأركان، ولذلك قال سبحانه في اعتقاد بعض الناس: ( وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)(2) .

وإذا كان هذا هو حكم الظن في الاعتقاد، فما بالك بما دونه من الشك والارتياب.

واليقين الحق في الإيمان بالله واليوم الآخر إنما يعرف بآثاره في الأعمال كما سبق ذكره في الحديث عن الإيمان وصفات المؤمنين

٥١١ / ١٬٢٢٠