تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

28

الجزء ٥ · صفحة ٣٥٩

ولو كانت مشيئة العبد مؤثرة لاحتاجت إِلى تقدم مشيئة لها عليها ، فيتسلسل بخلاف مشيئة الله لمشيئة العبد ، فإنها تقطع التسلسل ، والآيات دالة على اختصاص الخلق بالله ، وأيضا كيف يكون العبد خالقًا لفعله مع جهله بأَجزاء فعله ، وغفلته وحاله وكيفيته ، وأيضا كيف يكون العبد خالقًا لفعله مع جهله بأجزاء فعله ، وغفلته وحاله وكيفيته ، وأيضا قد يفعل بلا عمد كيف يخلق بلا عمد ، ومذهبنا ومذهب الأشعرية واحد .

وزعم أبو منصور الماتريدى أن مشيئة العبد ليست بمشيئة الله ، بل مستقلة ومجموع الأمرين تهديد ، ويكفى لو اقتصر على الثانى لكفى تهديداً لا على الأول .

﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا ﴾ هيَّأْنَا ﴿ للظَّالِمِينَ ﴾ أنفسهم بالإشراك ، ويلتحق بهم الفسَّاق ﴿ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ ﴾ يُحيط بهم ﴿ سُرَادِقُهَا ﴾ مسطاطها ، والإضافة بمعنى من التبعيضية ، فهم على بعضها ، وتحت بعض هو سرادقها ، ولو كان كلها سرادق ، والإضافة للبيان لزم أن يكونوا فى أرض غير النار ، والنار سرادق عليها ، نعم يجوز أن تكون السرادق من غير النار ، وهم فى النار ، وأضافها إلى النار لأنها فى النار ، وهى سرابيل من قطران غير النار ، بل حلقه من الله ، أو لباسهم وطعامهم وشرابهم المحرمة ، التيى يتمتعون بها ، صيِّرت لهم سرادق .

ويجوز أن تكون الإضافة من إضافة المشبه إلى المشبه به . وقيل : السرادق جدار دائر بهم عرضه مسيرة أربعين عامًا ، وفى الحديث : « سرادق النار أربعة جدر كل جدار مسيرة أربعين سنة » والمراد أن هذه الجدر محيطة بهم كلهم ، وقيل : سرادقها دخانها الشبيه بالسرادق وعلى ما مر من الاستعارة ، وبيان الإضافة والتشبيه الإضافى .

وقيل : هذا الدخان هو المراد فى قوله تعالى : ﴿ إلى ظل ذى ثلاث شعب ﴾ وأنه قبل النار . وعن ابن عباس : حائط من نار ، وعن الكلبى عنق يخرج ، ويحيط بهم فى المحشر ، وزعم بعض أن البحر المحيط يكون عليهم ناراً ، وزعم أنه A قال : البحر من جهنم ، وتلا الآية .

﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ من العطش ﴿ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهْلِ ﴾ ما أذيب من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة أو رصاص ونحو ذلك ، حتى صار فى السيلان كالماء ، وقيل : كدردى الزيت ، ويقال : قيح ودم أسود ، ويقال : ضرب من القطران بالغ فى الحرارة ، وذلك تهكم وتحقير حيث أجيبوا بضد مطلوبهم ، طلبوا ماء فأوتوا بعذاب إذا قرب من وجوههم سقطت لحومهم ، وإذا شربوه قهراً أخرجت أمعاؤهم من أدبارهم ، وسقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم ، ثم يعادون كما قال :

﴿ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ ﴾ ذلك الماء جملة بئس مستأنفة ، ولا يبعد وهو يشوى منعوته ماء ، وكذا كالمهل نعت لماء أى ثابت كالمهل ، أو النعت الكاف على أنها اسم مختلف لما بعد ، قيل : فيستتر فيه الضمير ، لأنه بمعنى مشابه ، وأجيز أن يكون يشوى حالا من المستتر فى الكاف ، أو من ضمير الاستقرار ، على أن الكاف حرف أو حال من المهل ، لأن المهل ولو سيق للتشابيه ، لكن نعته بيشوى ، تكميل لوصف الماء ، فيكون كإفراد الشئ مع دليله .

٢٬٣٥٩ / ٦٬٠٩٣