تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

4

الجزء ٨ · صفحة ١٢٩

﴿ ما جَعَل ﴾ خلق ﴿ اللهُ لرجلٍ مِن قلبَيْن فى جَوفه ﴾ قيل لانه لا يخلو اما ان يفعل بهذا القلب كل ما يفعل الاخر : فأحدهما لا حاجة اليه ، واما ان يفعل به ما لا يفعل بالاخر ، فيكون راضيا كارها ، جاهلا عالما ، بخلاف اليدين مثلا فانه يحتاج اليهما معا فى العمل الواحد من الاعمال ، وذكر القلب يغنى عن ذكر الجوف ، لكن ذكر لتأكيد التصوير كانه مشاهد كقوله تعالى : ﴿ ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ﴾ ومن صلة فى المفعول به ، واذا لم يكن للرجال قلبان فأولى ان لا يكونا للمرأة والصبى قبل كبره .

نزلت فى انه A سها فى صلاته ، وقال كلمة بلا عمد فقال من يصلى معه من المنافقين له : قلبان : قلب قلب معكم ، وقلب مع اصحابه ، الا ترون الى كلامه فى الصلاة ، روى مثله احمد والترمذى والطبرى عن ابن عباس ، او نزلت فى ابى معمر الفهرى ، يقول اهل مكة : له قلبان لقوة حفظه ، وهو جميل بن أسد ، او ابن أسيد بالتصغير ، وسماه ابن دريد عبدالله بن وهب ، وزعم بعض ان ذا القلبين جميل ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحى ، وقيل حارثة ابن حذافة ، وكان ابو معمر يقول : ان لى قلبين افهم باحدهما اكثر مما يفهم محمد A ، ومر منهزما يوم بدر بأبى سفيان ، فساله فقال : ان الناس ما بين مقتول ومنهزم ، وقال : ما بال احدى نعليك فى رجلك والاخرى فى يدك؟ فقال : ما ظنتها الا فى رجلى ، فأكذب الله قوله وقولهم فيه ، واسلم بعد .

او نزلت فى جماعة يقولون : لى نفس تأمرنى ونفس تنهانى ، او نزلت فى هؤلاء كلهم ، وقيل : من حق التقوى الى امرت بها ان لا يكون فى قلبك تقوى غير الله تعالى لانه ليس للمرء قلبان يتقى بواحد ربا ، وبالاخر غيره ، وقيل : مثال بان لا يكون لرجل امان ، ولا يكون رجل واحد ابنا لرجلين ، كما لا يكون له قلبان ، فذلك نهى عن الظهار .

﴿ وما جَعَل ﴾ صير ﴿ أزواجكم اللائى تَظاهرون منهنَّ أمَّهاتِكم ﴾ الاصل تتظاهرون ، ابدلت التاء الثانية طاء ، وادغمت فى الظاء ، ومعنى تظاهر انت ظهر امى مثلا ، كأفف قال : أف ، ولبى قال : لبيك ، وكان الظهار طلاق الجاهلية ، والظهر فى كلامهم ذلك بحسب الاصل مجاز عن البطن ، لان الجماع من جهة البطن ، والعلاقة الجوار ، ولان الظهر عمود البطن ، او ذكروا الظهر لانه محل الركوب ، والمرأة تركب عند الجماع من جهة البطن ، والمعنى انت محرمة على لا أركبك ، كما لا أركب ظهر الام ، او لان جماع المرأة فى قلبها من ظهرها حرام عندهم ، وقيل : كنوا بالظهر عن البطن لانهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه ، ولا سيما فى الام ، ويقال : ظاهرها وظاهر منها ، وقيل : من لتضمن معنى التباعد .

٣٬٦٢٩ / ٦٬٠٩٣