26
الجزء ٨ · صفحة ١٥٧﴿ وأنَزل الذين ظاهروهم ﴾ اعانوا الاحزاب ﴿ مِن أهْل الكتاب ﴾ المراد بنو قريظة عند الجمهور وهو الصحيح ، وقيل : بنو النضير ﴿ مِنْ صَياصِيهِم ﴾ حصونهم استعار لها الصياصى الموضوع لكل ما يمتنع به ، كالقرون للثور والظبى ، وشوكة الديك فى رجله لجامع الامتناع ﴿ وقَذَف ﴾ ألقى ﴿ فى قُلُوبهم الرُّعْب ﴾ الخوف الشديد حتى اسلموا انفسهم بلا امتناع ولا مخالفة للقتل ، واموالهم للسلب ، واهلهم واولادهم للاسر كما قال : ﴿ فريقاً تقْتُلون ﴾ وهم الرجال ﴿ وتأسرون فريقاً ﴾ النساء والصبيان ، وانزالهم من الصياصى عبارة عن اذلالهم على طريق الاستعارة التبعية ، وقذف الرعب سبب له ، واخره لان السرور بانزالهم اكثر ، فالاخبار به اهم للمؤمنين ، كما ان القتل للرجال اهم ، فقدم على عامله وعلى الاسر ، ولانهم مساق التفصيل ، وقدم الاسر على فريقا ، لانه اهم ، ولو قدم فريقا لتوهم قبل ذكر تأسرون انه يقال فى القراءة بعد ذلك تهزمون وللفاصلة ، وليتصل القتل والاسر بلا فضل .
روى ان جبريل عليه السلام ، جاء صبح يوم الانهزام او ظهره ، رسول الله A عند زينب ، وقد غسلت نصف رأسه معتجراً بعمامة استبرق ، على بغلة فوقها قطيفة ديباج ، وقال : هل وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال : نعم ، فقال : عفا الله عنك ، ما وضعت الملائكة وما رجعت الى الآن من طلب القوم ، وان الله يأمرك بالمسير الى قريظة ، وإنى ازلزل حصونهم ، فأذن لا تصلوا العصر الا فى قريظة ، واستخلف ابن ام مكتوب على المدينة ، واعطى عليا الراية ، وأسرع الناس اليه : ولما دنا من الحصن سمع فحشاً عليه A فرجع اليه فقال : يا رسول الله ما عليك ان تدنوا من هؤلاء الاخابث ، فقال : لعلك سمعت اذى؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال لو رأونى لم يقولوا ، فدنا فقال : يا إخوان القردة هل اخزاكم الله وانتقم منكم؟ قالوا : يا ابا القاسم ما كنت فاحشا ويروى ما كنت جهولا .
وقد مر بنفر من أصحابه فقال : هل مر بكم احد؟ قالوا : يا رسول الله دحية الكلبى على بغلة بيضاء ، عليها قطيفة ديباج ، فقال : ذلك جبريل يزلزل بقريظة ويرعبهم ، ونزل على بئر يقال لها : انا ، بناحية اموالهم ، ولحقه رجال بعد العشاء ، ولم يصلوا العصر لقوله : صلوا العصر فى قريظة ، وقد اشتغلوا جهدهم بأمر السير للحرب ، فصلوها ولم يعاتبهم ، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، وقيل احدى وعشرين ، وقيل خمسة عشر ، واشتد خوفهم وفيهم حى بن أخطب ، وفاء لعهده لكعب بن أسد ، وأيقنوا ان لا ينصرف رسول الله A ، فقال كعب : تابعوا الرجل : فوالله لقد تبين لكم انه نبى مرسل فى كتابكم لتأمنوا ، فقالوا : لا نفارق التوراة ، فقال : اقتلوا أبناءكم ونساءكم فنخرج اليه غير خائفين عليهم أن متنا ، وان ظفرنا اتخذنا نساء واولاداً ، فقالوا لا خير فى العيش بعد هؤلاء ، فقاتلوه الليلة غافلا فلا يظن انا لا نقاتل ليلة السبت ، فقالوا : لا نحدث فى السبت فيصيبنا ما اصاب من احدث فيه ، فقال : لا حزم فيكم ضيعتم الحزم .