37
الجزء ٨ · صفحة ١٧٤﴿ وإذْ تقُولُ ﴾ اذكر اذ تقول ﴿ للَّذى أنْعَم الله عَليه ﴾ بالاسلام زيد بن حارثة ﴿ وأنْعَمت عليْه ﴾ بالاعتاق وحسن التربية ، والتبنى والتعليم ، رضى الله عنه ، وذكره بهذه الاوصاف لبيان منافاة حاله ، لإظهاره A خلاف ما اضمر ، لكن على وجه جائز ، وذلك انه إنعامه على زيد لا يستحى من تزوج زوجه زينب ، ولا سيما وقد كرها زيد بعد تزوجه بها للسانها ، او كرها ليتمتع بها رسول الله A ، والناس فى غيظ منه ، اذ تزوج زوج متبناه .
﴿ أمْسِك عَليْك زَوْجَك ﴾ عداه بعلى لتضمن معنى احبس ، اى احبس على نفسك ، وهذا مما عمل فيه عامل فى ضميرين لمسمى واحد ، وهو جائز فى كل فعل ، لان احدهما بحرف جر وهو كثير فى القرآن لكون احدهما بحرف جر ، وغلط من قال بخلاف ذلك ، وتأول زوجه زينب بنت جحش تستعلى عليه بنسبها ، وتضره بلسانها ، فقال : يا رسول الله اشتد علىَّ لسان زينب ، واستعلائها علىّ بشرفها ، وأردت طلاقها ، فقال A : « امسك عليك زوجك » ﴿ واتق الله ﴾ فى حقها ، واصبر لها ﴿ وتُخْفى فى نفْسِك ما الله مُبديه ﴾ مظهره ، والعطف على تقول ، والذى يخفيه والله يبديه ، انه اوحى الله تعالى اليه ان زيداً سيطلقها وتتزوجها .
وقال قتادة : انه A يخفى ارادة طلاقها ، وقيل : ارادة نكاحها ، وقيل : اخفى نكاحها لو طلقها زيد ، وحبه مجرد خطور بباله A ، وليس ذلك رغبة فى زهرة الدنيا ، بل من الامر الذى طبع عليه البشر ، ولا سيما ان ذلك بعد العلم بان زيدا يريد فراقها ، وقيل : أتى A بيتها فرآها تسحق طيباً بفهر ، فقال : « سبحان الله خالق النور تبارك الله احسن الخالقين » وقيل : اتى زيدا لحاجة ، فأبصر زينب فى درع وخمار ، وكانت بيضاء جميلة ، ذات خلق من أتم نساء قريش ، فاعجبته ، فقال : « سبحان الله مقلب القلوب » وسمعته فأخبرت زيدا حين جاء ، ولا بأس بنظر الفجأة ، وقيل : جاء الى زيد فلم يجده فى بيته ، فعرضت عليه الدخول فلم يدخل ، وسمعته يقول : « سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب » فأخبرته بما قال A ، فجاءة فقال : هلا دخلت يا رسول الله ، لعلها اعجبتك فأطلقها لتتزوجها ، فقال « أمسك » وقال لها : أطلقك ليتزوجك؟ فقالت اخشى ان تطلقنى ولا يتزوجنى ، وانكر العلماء القولين جداً ولا ارى فيها بأسا ، لان ذلك بامر الله تعالى ولان الانصار يطلقون بعض نسائهم ليتزوجهن المهاجرون ، ويجوز الان مثل ما فعلوا ، وانما المحرم ان يطلب الرجل ذات زوج فترضى .
﴿ وتَخْشى النَّاس ﴾ مطلقا المنافقين وغيرهم لأكل فرد خاف ان يقولوا تزوج امرأة ابنه ، او يقولوا امره بطلاقها ليزوجها ، عاتبه الله على قوله : ﴿ أمسك ﴾ الخ مع علمه بقوله تعالى : ستكون من ازواجك ، فكان الاولى ان يسكت ، او يقول له : نعم ان شئت فطلقها ، وكان الواجب المبادرة عند بعض ، والامر كذلك على الوجه الجائز ، ولا سيما ان لم يبادر بعد طلاقها وعدتها ، ففيه عتاب ، اذ اراد الله ان يتزوجها لينسخ تحريم زوج المتبنى بناء على انه قد كان تزوجها حراما ، وقيل : لم يكن حراما ، والعطف على تقول ﴿ والله ﴾ وحده ﴿ أحقٌ أن تخشاه ﴾ حال من ضمير تخشى ، قال عمرو بن مسعود ، وعائشة : لو كان رسول الله A يكتم شيئاً من الوحى لكتم هذه الآية ، وكانت النساء لا يحتجبن ، ولم يزل A يراها لا رؤية تشه .