جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

أثر الإيمان بالغيب في صفاء النفوس

الجزء ٢ · صفحة ١٦٧

الوشائج، وهذه هي المناسبة في اختتام هذه الصفات بكونهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل إلى من قبله من النبيين، وهذا مما يقتضي وراثة هذه الأمة لمن تقدمها من الأمم في هدي أنبيائها، كما يؤكد وحدة رسالات الله التي تتابعت مواكب رسله لنقل هدايتها إلى الناس.

والإنزال: نقل الشيء من جهة عالية إلى أدون منها، ويطلق مجازا على الإيصال والإبلاغ، كما يطلق النزول على الوصول والحلول، نحو قوله تعالى: ( فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين)(1) . وقد يطلق على إنشاء النعم أو إظهارها نحو قوله: ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)(2) وقوله: ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)(3) . والتحقيق أنه لا بد من رعاية معنى العلو في مصدره، والله سبحانه متعال فوق خلقه بقهره وسلطانه، فلذا صح إطلاق لفظ الإنزال على ما يصدر منه من إحسان إلى خلقه ويكون العلو معنويا كما يكون حسيا.

وإنزال القرآن وسائر الكتب السماوية إنما هو عبارة عن نزول الملك المكلف بإبلاغها متلبسا بها حتى تصل إلى المرسل إليه بأمر الله. والملك يتلقاها من الله سبحانه بالطريقة التي تقتضيها مشيئته تعالى.

وقد أخبر سبحانه أن تكليمه للبشر لا يكون إلا بصفات ثلاث، بينها في قوله: ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا بإذنه ما يشاء)(4) .

وبين النبي صلى الله عليه وسلم كيفية تلقيه للوحي في جوابه للحارث بن هشام الذي رواه الإمام الربيع والشيخان من طريق عائشة- رضي الله عنها- قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي ملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول".

وبناء على رأي من قال أن هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب خاصة، استظهر العلامة ابن عاشور فائدة من الإتيان بالموصول في

٥٠٤ / ١٬٢٢٠