أثر الإيمان بالغيب في صفاء النفوس
الجزء ٢ · صفحة ١٦٨قوله: ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) ،ولم تكن العبارة والذين يؤمنون بك من أهل الكتاب، وهي الدلالة بالصلة على أن هؤلاء كانوا آمنوا بما ثبت نزوله من الله على رسلهم دون تخليط بتحريفات صدت قومهم عن الدخول في الإسلام، ككون التوراة لا تقبل النسخ، وأنه يجيء في آخر الزمان من عقب إسرائيل من يخلص بني إسرائيل من الأسر والعبودية، ونحو ذلك من كل ما لم ينزل في الكتب السابقة، ولكنه من الموضوعات أو من فاسد التأويلات- قال- ففيه تعريض بغلاة اليهود والنصارى الذين صدهم غلوهم في دينهم، وقولهم على الله غير الحق عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا؛ وقد عبر في الآية بصيغة الماضي في قوله بما أنزل إليك، مع أن القرآن لم يكن كله منزلا عند نزول هذه الآية والناس مطالبون بالإيمان بكل ما أنزل أو سوف ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الإيمان بما تحقق نزوله يقتضي الإيمان بما سوف ينزل، لاندراجه فيه، ويرى بعض المفسرين أن هذا التعبير من باب المجاز العقلي، وهو تغليب ما أنزل على ما لم ينزل، ويرى غيرهم أنه مجاز لغوي، وذلك أنه أستعير ما أنزل لما لم ينزل.
وانتقد القطب رحمه الله هذين الرأيين لما فيهما من الجمع بين الحقيقة والمجاز واختار ما تقدم ذكره من أن الإيمان بما أنزل يقتضي الإيمان بما سوف ينزل، وهو الذي يقتضيه كلام المحقق ابن عاشور، إذ يرى أن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا توقع إيمانهم بما سينزل، لعدم احتياج ذلك إلى الذكر، فإنه من المعلوم أن الذي يؤمن يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول، لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكونان في الأول الأمر، فإذا زالا بالإيمان أمن من الارتداد، كما قال هرقل: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. فالإيمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب، وهي الدلالة الأخروية وليس هو مدلولا للفظ الماضي بطريق التغليب، ولكنه مراد من الكلام