التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة التكاثر

الجزء ٤ · صفحة ٤٠٦

أَلْهَاكُمُ التَّكاثر (1)} شغلكم (لَعَلَّهُ) عَن عبادة الله، وأصله الصرف إِلىَ اللهو (1)، منقول مِن لَها إِذَا غفل، لقوله: ﴿لاَ تُلهيهم تجارةٌ … ﴾ الآية (2)، والتكاثر: التباهي بالكثرة مَعَ الأقران، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ المقابر (2)﴾ معناه: ألهاكم التكاثر بالأموال [671] والأولاد، إِلىَ أن مِتُّم وصرتم مضيِّعين أعماركم فيِ طلب الدُّنْيَا عَمَّا هُوَ أهمُّ لكم، وَهُوَ السعي لأخراكم، فيكون زيارة القبور عبارة عَن الموت.

﴿كَلاَّ﴾ ردع وتنبيه عَلَى أنَّ العاقل ينبغي أن لاَ يكون جميع همِّه ومعظم سعيه للدنيا، فإنَّ عاقبة ذَلِكَ وبالٌ وحسرة، ﴿سوف تَعْلَمُونَ (3)﴾ خطأ رأيكم إِذَا عاينتم مَا وراءكم؛ وَهُوَ إنذار ليخافوا وينتبهوا مِن غفلتهم، ﴿ثُمَّ كَلاَّ سوف تَعْلَمُونَ (4)﴾ تكرير للتأكيد، وفي «ثُمَّ» دلالة عَلَى أنَّ الثاني أبلغ مِنَ الأَوَّل عند الموت؛ أو الثاني عند النشور.

﴿كَلاَّ لو تَعْلَمُونَ عِلم اليقِينِ (5)﴾ أي: لو تَعْلَمُونَ مَا بين أيديكم علم الأمر اليقين، كعِلمكم مَا تستيقنونه لشغلكم ذَلِكَ عَن غيره، أو لفعلتم مَا لاَ يوصف وَلاَ يكتنه، (لَعَلَّهُ) ولكنَّكم ضُلاَّل، فحذف الجواب للتفخيم، وَلاَ يجوز أن يكون قوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجحيمَ (6)﴾ جوابا، لأَنَّهُ محقَّق الوقوع، بَل هُوَ جواب قَسمٍ محذوف، أكَّد بِهِ الوعيد، وأوضح بِهِ مَا أنذرهم مِنْهُ بعد إبهامه تفخيما.

﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَين اليقِينِ (7)﴾ أي: الرؤية التِي [هي] نفس اليقين، فإنَّ عِلم المشاهدة أعلى مراتب اليقين؛ (لَعَلَّهُ) والجحيم: النار الشديدة التأجُّج (3)، وكلُّ بعضها فوق بعض.

{

(1) - … فيِ الأَصْلِ: «اللهوى»، ولا مَعْنَى له.

(2) - … سورة النور: 37؛ وتمامها: ﴿رجال لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاةِ، يخافون يوما تتقلَّب فيه القلوب والأبصار … ﴾.

(3) - … في الأصل: «التايح»، وهو خطأ.

١٬٥٦٨ / ١٬٥٨٨