سورة الناس
الجزء ٤ · صفحة ٤١٩مِن شَرِّ مَا خَلَق (2)} خصَّ عالم الخلق بالاستعاذة عَنْهُ لانحصار الشرِّ فِيهِ، فإنَّ عالم الأمر خير كلُّه، وشرُّه اختياريٌّ، لازم ومتعدٍّ، كالكفر والظلم، وطبيعيٌّ كإحراق النار وإحراق السَّموم.
﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ ليل عظم ظلامه، مِن قوله: ﴿إِلىَ غسق اللَّيْل﴾ (1)، وأصله الامتلاء؛ يقال: غَسَقَت العين إِذَا امتلأت دمعا؛ وفي القاموس: «﴿وَمِن شر غاسق إِذَا وقب﴾ أي: اللَّيل إِذَا دخل» (2)؛ أو جهلٌ تراكمت آثامه، ﴿إِذَا وقب (3)﴾ دخل ظلامه فيِ كُلِّ شيء؛ وتخصيصه، لأَنَّ المضارَّ فِيهِ تكثر، ويعسر الدفع، ولذَلِكَ قيل: «اللَّيل أخفى للويل»، لكن إن تفكَّرت فمضمرة الظلام تحصن فيِ الأمور الدُّنيَاوية (3)، وَأَمَّا مضرَّة الجهل إِذَا وقَبَت ودخلت عمَّت الحالين.
﴿وَمِنْ شرِّ النَّفَّاثَات فيِ العُقَد (4)﴾ وَمِن شرِّ النفوس، أو النساء السواحر اللواتي يعقدن عقدا فيِ خيوط وينفثن عليها؛ والنفث: هُوَ النفخ؛ وقيل: المراد بالنفث فيِ العقد: إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار مِن تليِين العقد بنفث الريق ليسهل حلُّها.
﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد (5)﴾ إِذَا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فَإِنَّهُ [678] لاَ يعود ضرره مِنْهُ قبل ذَلِكَ إِلىَ المحسود، بَل يخصُّ بِهِ لاغتمامه بسروره، وتخصيصه لأَنَّ العمدة في إضرار الإِنسَان بَل الحيوان.
سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
{
(1) - … سورة الإسراء: 78.
(2) - … فيِ الأَصْلِ: «(لَعَلَّهُ) أي اللَّيْل … »، ولا شَكَّ أَنَّ «لَعَلَّهُ» من إضافة الناسخ كما أوضحناه فيِ بداية هَذَا التفسير. ويضيف صاحب القاموس: «أو الثريَّا إذا سقطت لكثرة الطواعين والأسقام عند سقوطها». الفيروزآبادي: القاموس، ص823، مَادَّة: «غسق».
(3) - … يبدو أَنَّ الصواب: «فمضرَّةُ الظلام تختصُّ بالأمور الدُّنيَاويَّة» بدليل ما يأتي.